|
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين ، ومعلم البشرية أجمعين ، وهاديهم إلى الصراط المستقيم ، نبينا ورسولنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .
ربما كان من نافلة القول أن نشير إلى أن العملية التربوية هي عملية ضاربة في عمق التاريخ ، وهي قديمة وأزلية ، قدم الإنسان على ظهر هذا الكوكب ، كما أنها كذلك عملية مستمرة وباقية ما بقيت الليالي والأيام ، وما تعاقبت الشهور والأعوام ، بالإضافة إلى أنها أيضاً عملية إنسانية واجتماعية ، وهي قبل كل هذا وبعده عملية مختلفة ومتباينة ، باختلاف الدول والأمم حول العالم وتباينها في دياناتها ولغاتها وموروثاتها وأيدلوجياتها
. إن الجميع ليعلم ، ومنذ الأزل ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، المكانة السامية ، والأهمية البالغة للعمليتين التربوية والتعليمية ، فالإرث البشري في العلوم والمعارف المختلفة هو إرث تراكمي عبر العصور المختلفة ، وليس وليد اللحظة ، كما أنه أيضاً ليس وليد فترة معينة ، وهو تراث موصول ومتصل يزداد ويتطور ، وتدخل عليه موجات متكررة في التعديلات والتحسينات عبر الزمن .
ويدرك المربون والمعلمون والمشتغلون بالعمليتين التربوية والتعليمية أن الهدف الأساس في التعليم باق ومستمر باعتباره رغبة غريزية لدى الإنسان ، غير أن طرق وأساليب ومكونات التعلم قد تغيرت وتتغير وستظل تتغير مع الزمن . ونحن نلاحظ أن تلك الطرق والوسائل والأساليب والمكونات قد تقدمت بشكل مذهل خلال العقود الأخيرة من القرن الميلادي المنصرم ، وبداية الألفية الثالثة الحالية ، حيث حمل ذلك التقدم صوراً مختلفة أكثر إيجابية ، وأكبر فاعلية وأبعد أثراً ومصداقية عن ذي قبل .
لقد تغير مفهوم اكتساب المعرفة من التركيز على المادة العلمية المجردة إلى التركيز وبشكل أساسي ومقصود على المتعلم نفسه ، وعلى نشاطه وإيجابيته ودوره الفاعل في عملية اكتساب المعلومة ، فلم يعد متلقياً سلبياً تقدم له المعارف على طبق من ذهب بحيث يقتصر دوره على استلامها وحفظها عن ظهر قلب .
لقد أكدت النظريات التربوية الحديثة أن المعرفة التي يكتسبها المتعلم ، وذلك بعد أن يجد ويجتهد ويبحث للحصول عليها تبقى راسخة في ذاكرته ، كما أنها تحدث أثراً إيجابياً في أعماقه لا يمكن أن يزول أثرها ما بقيت الأنفاس تتردد في صدره .
ولكن من الواضح جداً أن العملية التعليمية لا تقف عن حد اكتساب وتعلم وتعليم المعارف . لكنها تتعدى ذلك كله إلى الاهتمام المركز على الجانب التربوي التهذيبي " Discipline " ذلك أن رجال التربية والتعليم يدركون جيداً أن العناية بذلك الجانب المهم يعد حجز الزاوية ، ويمثل العمود الفقري للعلمية التربوية بمنظورها الشامل .
لقد قدم السلوكيون تعريفاً لعملية التعليم ، يتلخص في أن التعلم هو عبارة عن تغيير في السلوك ، والتغير في السلوك على أنواع ، من أهمها التغير في السلوك الظاهري " Overt-behavior " والتغير في السلوك الداخلي " Covert-behavior " .
لذا ، فإن الاهتمام بالجانب التربوي الشامل هو أمر جد ملح . وقد أكد على ذلك معلم البشرية صلوات الله وسلامه عليه في الكثير والكثير من المواقف والشواهد والأحاديث ، كما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله " كونوا ربانيين حلماء فقهاء " والرباني هو الذي يربي الناس . كما أكد على ذلك أيضاً القرآن الكريم في أكثر من آية ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قوله جل من قائل : (( قال ألم نربك فينا وليداً ، ولبثت فينا من عمرك سنين )) } الشعراء 18 {، وقوله تعالى : (( وقل ربي أرحمهما كما ربياني صغيرا )) } الإسراء 24 {، وقول الحق تبارك وتعالى (( كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون )) } البقرة 151 {، والتزكية هنا تحمل معنى مرادفاً للتربية . وهكذا يؤكد القرآن الكريم على أن التربية أمر هام جداً ، وهي لا تقتصر على مرحلة عمرية معينة ، ولا على جانب واحد فقط ، لكنها تمتد إلى البناء الديني والخلقي والاجتماعي والنفسي للفرد ، كما أن التزكية بهذا المعنى التربوي الشامل تسبق التعليم بمراحل تاريخية بعيدة جداً .
إن كلية التربية لتؤكد على الالتزام بالجوانب الشاملة للعملية التعليمية ، وهي تدرك أن طلب العلم لم يعد ترفاً ، ولكنه يعتبر مطلباً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه ، وهي تركز على تقديم العلم النافع لطلابها ، وتوفر لهم الأجواء العلمية المناسبة ، حتى يصبحوا في قابل الأمام علماء يختصون بالكفاءة والمهارة ، وقبل ذلك وبعده بالأخلاق القويمة والصفات الحميدة . والكلية في سبيل تحقيق ذلك الهدف النبيل تدقق كثيراً في اختيار العناصر الطلابية المتميزة ، فهؤلاء هم رجال التربية والتعليم مستقبلاً . ويأتي دور الإعداد الذي يضطلع به الكلية في مقدمة أولوياتها ، ويتمثل ذلك في الجوانب التخصصية وكذا في الجوانب التربوية المهنية الأخرى ، بالإضافة إلى الجوانب الثقافية بتفاصيلها المعاصرة والشاملة . والكلية أيضاً تهتم بالدراسات العليا لمرحلتي الماجستير والدكتوراه من الناحيتين الكمية والنوعية ، وهي تنظر إلى الجودة على أنها من العناصر الأساسية في هذا الصدد ، ولا تغفل حاجة المجتمع للعناصر المؤهلة والمدربة .
وأخيراً ، وليس آخراً – فإن الكلية توجه اهتماماً خاصاً إلى البحث العلمي ، وهي تضم كوكبة مؤهلة من الباحثين والأساتذة المتميزين الذين تفخر بهم هذه المملكة الفتية ، ولديهم إسهامات متميزة على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية .
ومع ذلك كله ، فإن كلية التربية بجامعة الملك سعود لا تنظر إلى إنجازاتها وإسهاماتها إلى كمن ينظر إلى جزئية صغيرة ضمن سلسلة كبيرة ، ومنظومة طويلة من العمل الشاق والمستمر والمثمر إن شاء الله .
وفق الله الجميع لكل ما يرضي وجهه الكريم ،،،
عميد الكلية
د. خالد بن فهد الحذيفي
Dean20@KSU.EDU.SA
|