خطاً كتبت علينا ومن كتبت عليه خطاً مشاها0 سبق أن غادرت رحاب هذه الجامعة العريقة بعد خدمة امتدت إلى ما يقرب من ربع القرن قضيتها في مكتبة الأمير سلمان المركزية ثم مكثت بعيداً عنها ما يربو على العقد من الزمان 0 وكنت أمر بها عابرًا في بعض زياراتي إلى الإخوة في الدرعية0 ولكن هذه المرة استرعى انتباهي كثرة المباني التي تشيد فيها فعنت لي فكرة تسجيل زيارة عابرة لعلي أطلع على بعض ما غاب عني من أخبارها ، فساقتني خطاي عبر البهو لأعبر من خلاله إلى المكتبة كما كنت أفعل سابقاً0
وبعد خروجي منه وقبل أن أصل إلى المكتبة فإذا بي يلفت انتباهي خيمة لم يسبق لي مشاهدتها في الزمان السابق0 وعندما اقتربت منها راودني حب الاستطلاع إلى دخولها وكان لي ما أردت0 فوجدت نفسي وسط طلاب استوعبت تركيزهم العديد من الألعاب التي كانوا يمارسونها بانهماك شديد دون أن يلقوا بالاً لما يدور حولهم من ممارسات الآخرين فانخرطت في هذا الزحام أتلفت يمنة ويسرة وكأنني في مهمة تفتيشية0 فوجدتها جاذبة لمرتاديها كل على حسب ما يروق له من أسباب تسلية النفس، هذا بالإضافة إلى بعض برامج الفيديو التي كانت تعرض بصفة مستمرة0 فوقفت للحظات مندهشاً لما أراه أمامي و صرت أسائل نفسي عن سبب وجود هذه الخيمة في أروقة الجامعة فكل من يقبل إليها زائراً يتصور أو يتوقع انصراف من فيها للانشغال بالتحصيل العلمي لا التكالب على اللعب واللهو0 وبعد فترة لم تدم طويلاً أحببت أن أجد إجابات لما كان يدور في راسي من التساؤلات ، فتوجهت إلى مراقب الخيمة واستفسرته عنها وحمدت الله على ذلك كثيراً0
لقد نما إلى علمي إنها مبادرة كريمة تمت تحت رعاية المركز الوطني لأبحاث الشباب ضمن أحد مشاريعه لمحاربة التدخين داخل محيط الجامعة تحت شعار ( جامعة الملك سعود بيئة خالية من التدخين ) وان الخيمة استراحة محارب يتنفس فيها هواءً عليلاً بعيداً عن التدخين ، حيث الهدف من الخيمة رعاية الشباب وتوعيتهم باعتبارهم ذخر الأمة الذين سيحملون لواء تنمية وتطوير هذا الوطن المعطاء0
وبما أن الشيء بالشيء يذكر استرجعت ذاكرتي ما سبق لي أن قرأته عن الصحابي الجليل الشاب حنظلة 0 ويتلخص أمره في أنه كان طوال الفترة التي كان يقضيها في مجلس الرسول- عليه أفضل الصلاة والتسليم -كان يحس أن الإيمان يملأ قلبه ومتى ما غفل راجعاً إلى أهله ينسى ما كان فيه من مشاعر إيمانية ويمارس شؤونه كأي شخص عادي0 واستمر على هذا الحال لفترة أتته بعدها لحظة خلى فيها مع نفسه يتدبر مسار حياته مقارناً بين الحالتين اللتين كان يكون عليهما في معية الرسول وفي معية أهله فانتابه شعور جلب عليه الحيرة والندم وكثرة التفكير والتأمل0 وهو على هذا الحال فإذا بابي الصديق يمر به ويسأله بتلقائية قائلاً : كيف أنت يا حنظلة ؟ فأجرى على لسانه ما عبر به عما كان يجيش في نفسه فأجابه قائلاً : نافق حنظلة 0 فتعجب الصديق من رده وقال : سبحان الله ما تقول ؟ فقال حنظلة : نكون عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يذكرنا بالنار والجنة حتى وكأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عنده عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً 0 فتيقن الصديق من جدية حنظلة ورد قائلاً : فو الله إنا لنلقى مثل هذا 0 فانطلقا إلى الرسول حتى دخلا عليه فقال حنظلة : نافق حنظلة يارسول الله ، فقال له الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم وما ذاك ؟ فأعاد عليه مقالته التي قالها لأبي بكر، فقال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ،ولكن ياحنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات ) فأزال ذلك ما كان في نفسه واطمأن على ما كان عليه من سلوك 0
ولعل قائلاً ما يقول إزاء ذلك متسائلاً ببراءة : ما لنا ومال حنظلة عاش في عصر غير عصرنا وما كان لديهم ما لدينا من أدوات التقنية0 فنقول لمن تؤرقه مثل هذه الأفكار : نعم عصرنا غير عصرهم وكل ميسر لما خلق له ، ولكن في نهاية المطاف يجمعنا قاسم مشترك بحنظلة وهي النفس الإنسانية التي بين جنبينا 0 وما من شك في أن إسلوب الحياة يتطور ويتغير ويتلون وفق ما يستجد فيها من اختراعات واكتشافات ، ولكن النفس الإنسانية تظل على ما أنشأها عليه خالقها وبارئها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها يقول الشاعر :
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ***أتطلب الربح فيما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها***فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
وقياساً على هذا وإتباعا لهديه عليه أفضل الصلاة والتسليم نستطيع أن نقول ملء أفواهنا : ( كــلنا حنظلة )
فلنهتم بأنفسنا ونوازن بين حالاتها المختلفة التي تنتابها بين الفينة والأخرى لنسلك بها جادة الطريق الذي نسير فيه حتى لا نحيد عن تحقيق أهدافنا التي من أجلها التحقنا بالجامعة 0 أما ( خيمة نقاء ) فتيقنت إنها عيادة نفسية ترياقها الأساسي ( الترويح عن النفس ) أطباؤها نحن كل يتولى علاج نفسه بنفسه فهو أدرى منا بنفسه التي بين جنبيه ، وهذه الخدمة الذاتية هي تجربة عملية تؤكد لنا في النهاية مدى نجاح هذه التجربة وفشلها – لاسمح الله – في نهاية الأمر0
فيتوجب علينا ملازمتها متى ما دعت الضرورة لذلك دون إفراط أو تفريط ولنتذكر قول القائل :
العلم يرفع بيتاً لا عماد له *** والجهل يهدم بيت العز والشرف
ولنستمع قول الاخر حيث يقول :
وللأوطان في دم كل حر ***يد سلفت ود ين مستحق
وإن بقي من شئ يمكن أن يقال فلسان حالي يردد مع الشاعر قوله :
هي صورة فياضة لخواطر *** أنا كاتب ومشاعري تمليها
وإلى لقاء
محمد أحمد الحيدرابي
المركز الوطني لأبحاث الشباب