صناعة المبدعين

شرفتنا الجامعة بمهمة صعبة لكنها ممكنة وممتعة في نفس الوقت، والجميل فيها أنها تغرس بذرة صالحة لمستقبل الأجيال، إنها مهمة صناعة المبدعين. هناك نقلة كبيرة بين حياة المرحلتين الثانوية والجامعية سواء في طبيعة الدراسة أو الحرية الشخصية والاعتماد بشكل أكبر على النفس أو من ناحية صعوبة النقلة الاجتماعية وكيفية التعامل معها . ويظن البعض أن السنة التحضيرية بتقنياتها وأساليبها قد تعمق تلك الفجوة أو قد تحدث فجوة أخرى بينها وبين كلية الطالب وتلك مشكلة أخرى، وعندما تسألهم عن الحل، لا تجد جواباً شافياً، لأن الحل ليس في التراجع ولكنه في تطوير المنظومة التعليمية كاملة من دخول الطالب أو الطالبة المدرسة حتى الحصول على أعلى الدرجات العلمية .
ينتقل الطالب من التعليم العام الى التعليم الجامعي ومعه بعض المفاهيم والعادات والسلوك غير المتناسبة مع طبيعة الحياة الجامعية السليمة . وقد ارتبطت كلمة مستجد مع المواقف الطريفة التي تحدث لبعض الطلاب جراء عدم معرفتهم بأنظمة الجامعة وقوانينها، فلهذا كانت المسئولية على السنة التحضيرية أكبر في مساعدة هؤلاء الشباب في تفهم طبيعة الحياة الجامعية وتطوير مهاراتهم الشخصية والأكاديمية قبل الدخول في معمعة التحصيل الأكاديمي .
إن تعلم اللغة الإنجليزية وضبط قواعدها واستخدامها بشكل جيد خلال سبعة أشهر أمر ليس بالسهل على المعلم والمتعلم، وهكذا تعلم مهارات الحاسب والرياضيات وتطبيق معايير عالمية لتقييم الطالب، وكذا الحال في تطوير مهارات التعلم والتفكير والبحث والاتصال . إن تعديل بعض وسائل التعلم غير السليمة مثل الحفظ والتلقي فقط والتي اعتاد الطالب عليها خلال الاثنتي عشر سنة الماضية الى الفهم والتفكير والحوار والمشاركة وتعلم التعلم، بالاضافة الى الانضباط بإيقاف سيارته بشكل معين وفي مكان معين، ودخوله القاعة في وقت معين وتعويده تحمل مسؤولية تعلم الأنظمة والقوانين واتباعها بدقة، وتعويده ضبط الوقت واستثماره لكي تتزاحم الاختبارات عليه ويضيق به الوقت وقد يدفع الثمن غالياً لتأخره الدراسي، أو عدم قدرته على تحقيق طموحه، كل تلك المهارات تحتاج لوقت طويل للقناعة بها أولا ثم اكتسابها والتعود عليها .
كلنا نعلم أن تعديل السلوك مهمة صعبة في البداية على المعلم والمتعلم على السواء لكنها رائعة النهاية ، لهذا نحن محظوظون نحن معشر المدرسين والأساتذة لأننا نرى نتاج عملنا في تطور إنسان نراه ماثلاً أمامنا، فيختلج في شعورنا إحساس جميل وحمداً لله على أن جعلنا سبباً في تقدم أحد أبنائنا وبناتنا ، هذا الشعور واضح أكثر في التحضيرية كونها تركز على تطوير المهارات الشخصية والأكاديمية، وقد رأينا فرقاً شاسعاً بين الطلبة والطالبات في بداية العام الى اليوم، ترى نضجاً فكرياً يتطور يومياً، تلمس فهماً وتسمع حواراً هادئاً منطقياً، ترى أعينهم تلمع بالرغبة والحرص على تطوير الذات والتخطيط للمستقبل، ولكن بالطبع ليس كل الطلبة والطالبات بمستو واحد في فهم وإدراك حساسية المرحلة التي قد لا تتكرر .
من خلال الاحصاءات الدقيقة التي ساعدتنا لتطوير العملية التربوية والتعليمية يظهر بوضوح أهمية الاستثمار في مدخلات القبول وأهمية رفع معاييره، كما تبين أهمية تطوير المهارات في هذه المرحلة بالذات والتي أكد عليها مشروع الخطة الاستراتيجية للجامعة . تلك الملاحظات الإيجابية تشجعنا أكثر لمواصلة التطوير وبذل المزيد من الجهد، وتنسينا ألم المعاناة، وترسم لنا أفقاً جميلاً رحباً لمستقبل أبنائنا، ونحمد الله أن يسرنا لنا في جامعتنا العريقة الدعم الكافي للاستثمار في أمل مستقبل بلادنا .