جامعة الملك سعود وسقوط سور برلين!

سور برلين، وبالألمانية: Berliner Mauer، كان جداراً طويلاً يفصل شطري برلين الشرقي والغربي والمناطق المحيطة في ألمانيا الشرقية، وكان الغرض منه تحجيم المرور بين برلين الغربية وألمانيا الشرقية. بدأ بناؤه في 13 أغسطس 1961م، وجرى تحصينه على مدار السنين، ولكنه سقط في 9 نوفمبر 1989م وهدم بعد ذلك بشكل شبه كامل.
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945م قسمت ألمانيا إلى أربع مناطق محتلة بحسب اتفاقية يالطة، وكانت الدول المحتلة هي الولايات الأمريكية المتحدة والاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة وفرنسا، وكانت هذه الدول المتحكمة والمديرة للمناطق المحتلة من ألمانيا، وتبعا لذلك قسمت العاصمة السابقة للرايخ الألماني إلى أربع مناطق أيضا، وفي ذات الحقبة بدأت الحرب الباردة بين المعسكر الاشتراكي الشرقي والغرب الرأسمالي، ومثلت برلين المقسمة مسرحاً للمعارك الاستخباراتية بينهم. وإن مثل تلك الأسوار ربما فرضتها الحروب وخطط الاستعمار ومرحلة الحروب العالمية وتوزيع مناطق النفوذ فلها مبرراتها التي قد نقبلها أو نرفضها.
ولكن حديثي اليوم ليس عن ذلك السور بل عن مشكلة أن يوجد في داخل المجتمع الواحد أسوار أعتى من سور برلين.. نعم داخل المجتمع الواحد.
فجامعاتنا في المملكة العربية السعودية ظلت ردحاً من الزمان أشبه ما تكون بدكان (الشيب) الذي يشرع أبوابه صباحاً ثم ما يلبث أن يغلقها منتصف النهار، ورغم أن المدن الجامعية لدينا كجامعة الملك سعود تملك من أسس البنية التحتية والمباني والمختبرات والمعامل العالمية التي تم تأسيسها على أعلى المواصفات إلا أن (أسوار برلين) كانت تحول دون أن يستفاد من تلك المنشآت والمرافق والمشاريع الجبارة من قبل المجتمع ومؤسساته ومن خلال برامج وفعاليات وخطط تخدمه وتخدم أبناءه.
ولكن مما أبشر به نفسي ومجتمعي أن (أسوار برلين) في عدد من الجامعات السعودية بدأت تهوي وتسقط؛ ففي جامعة الملك سعود سقطت تلك الأسوار العاتية واستطاعت الجامعة بفضل الله ثم بفضل القيادة الواعية والإدارة الفذة التي يتولى زمامها الأستاذ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن العثمان وبقية المسؤولين من وكلاء وتنفيذيين أن يسقطوا تلك الأسوار البغيضة والتي بسقوطها فُتحت آفاق واسعة ومجالات رحبة لتواصل المجتمع بكل شرائحه مع الجامعة والانخراط في فعالياتها وأنشطتها وتفيؤ ظلال برامجها وعطائها ومنجزاتها.
إن القيادة الواعية للجامعة بفضل اعتمادها لسياسة الانفتاح والتنوع الفكري والخطط الإستراتيجية الطموحة المبنية على فهم الواقع واستشراف المستقبل هي التي كانت وراء سقوط (سور برلين) قي جامعة الملك سعود، بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فتلك الأسوار التي أحكم طوقها على الجامعة لم تقف حائلاً دون المجتمع فحسب بل تعدى إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير فالمجتمعات العربية أو الدولية ومراكز القيادة والبحث العلمي فيها لا تعرف من جامعاتنا إلا مجرد أسماء عابرة وربما لا تعرف حتى أسماءها بسبب تلك الأسوار المتهالكة، أما اليوم فقد شاهدنا جميعاً خلال الفترة القريبة الماضية عدداً من شخصيات العالم من رؤساء دول ورؤساء حكومات ووزراء وقامات علمية عالمية كبرى تتوالى مواكبهم لزيارة جامعة الملك سعود وتسجيل أبلغ عبارات الشكر والإعجاب والتقدير للوطن والجامعة.
لقد كنا في السابق نفرح بالضيف الزائر للمملكة حين يزور (سوق الزل بالديرة) وهذا جيد، ولكن أيهما أولى وأكثر إشراقاً وواقعية ومنزلة عند الضيف الزائر من رؤساء الدول والحكومات: سوق (الزل) أم زيارة جامعتنا المعبرة عن نهضتنا وتطورنا بل وقيمنا وأخلاقنا وما تبذله قيادتنا الرشيدة في سبيل تحويل مجتمعنا إلى مجتمع منتج للعلم والمعرفة.
ويسبق ذلك كله ما وجدناه من تشريف ولاة الأمر، حفظهم الله، للجامعة فبالأمس القريب تشرفت جامعة الملك سعود بزيارة راعي مسيرة الخير والبناء والإصلاح الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله، وصاحب السمو الملكي الأمير الموفق نايف بن عبدالعزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدا لعزيز، حفظهم الله، وعدد من أصحاب السمو الملكي الأمراء للجامعة، حتى لا يكاد يمضي يوم إلا ويحل على الجامعة ضيف كريم وعزيز منهم.. أليس هذا كله دليلاً أكيداً وبرهاناً ساطعاً على سقوط (سور برلين) في جامعة الملك سعود!
بقي أن أنوه بما يقوله معالي مدير جامعة الملك سعود الدكتور عبدالله العثمان دائماً من أن إنجازات الجامعة هي إنجازاتٌ ونجاحاتٌ للوطن والمواطن، فيجب أن نفخر جمعياً بمنجزات جامعاتنا دون استثناء لأنها نجاحات لهذا الكيان المعطاء ولأبنائه وبناته الأوفياء، فبسواعدهم تحقق لجامعاتنا النجاحات وتذوقنا معنى المنجزات.
بداية سقوط (أسوار برلين) في جامعة الملك سعود كانت مع صدور الأمر السامي الكريم بتعيين الدكتور عبدالله بن عبدا لرحمن العثمان مديراً لجامعة الملك سعود، فمنذ ذلك الوقت والجامعة في سباق طموح وتطلع مجيد نحو الريادة العالمية، ولم يمضِ على تعيين معاليه سنتان، حتى صدر تقويمان للموقع الإسباني الشهير ويبوماتريكس، آخرهما قبل حوالي شهرين، حققت الجامعة فيه المرتبة الـ292 عالمياً، والأولى في العالمين العربي والإسلامي وفي منطقة الشرق الأوســط وأفريقيا، والمركز الـ21 على مستوى آسيا. وتشرفت الجامعة بتسّلم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود هدية الجامعة ودرع التصنيف العالمي الذي حصلت عليه الجامعة وتشرف بتقديمهما لخادم الحرمين الشريفين معالي وزير التعليم العالي الدكتور خالد العنقري ومعالي مدير جامعة الملك سعود الدكتور عبدالله العثمان.
بقي أن يسأل كل مواطن: متى تسقط بقية (أسوار برلين) في جامعاتنا السعودية الأخرى؟ متى تنفتح جامعاتنا الأخرى على المجتمع وتسهم في رقي وتطور وإبداع هذا الوطن المعطاء؟ متى نوظف الدعم الكبير والرعاية الدائمة من لدن القيادة حفظها الله في خدمة الدين ثم المليك والوطن؟ أرجو أن لا يطول الانتظار فنخسر كثيراً ويشق علينا المسير.
تحية للقيادة الحكيمة على هذا العطاء والدعم والرعاية، وتحية لكل مخلص لدينه، ثم وطنه، وتحية لجامعة الملك سعود وقيادتها الفذة ورجالاتها الذين هم خير مثال للمواطنة الحقة.