التوبـة ... لايعود اللبن الى الضرع
وصلتني رسالة تهنئة بالشهر الكريم جاء فيها ؛ فكرت ماذا أعد لرمضان ؟ فوجدت صحيفة ذنوبي .. فقررت أن أتسابق معك على التوبة وهجر المعاصي ..
لقد كانت رسالة مأثرة دفعتني لأتأمل فضل التوبة وعظم أهميتها في حياتنا ، فهي من الأعمال التي أجمع العلماء على وجوبها كما قال تعالى : (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) فالنجاح والفوز والفلاح لا يمكن أن يكون لأحد إلا لمن اتصف بالتوبة .ذلك أن أكبر مشكلة نعيشها يوميا هي مشكلة الخطيئة والمعصية ، فالله عز وجل رتب حصول الخير للعبد ، وحصول الشر في الدنيا والآخرة على الأعمال ، بل إن دار الإقامة (الجنة أو النار ) أعدت لمن أحسن العمل (الجنة ) أو أساءه (النار) قال تعالى عن المتقين : (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ) وحين نتأمل كتاب الله تعالى نجد ذلك جاء واضحا في مواضع كثيرة ،وأساليب مختلفة قال تعالى : (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي! الناس ) (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء) (وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ) ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ) (فلما آسفونا انتقمنا منهم ) قال ابن القيم : ( فالقران من أوله إلى آخره صريح في ترتيب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب .بل ترتيب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحها ومفاسدهما على الأسبظاب والأعمـال). ومن هنا نجد أن التوبة إلى الله تعالى منهج الأنبياء، وإليها دعا الرسل أقوامهم؛ ففي قصة آدم قال تعالى : (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) وفي دعاء إبراهيم وابنه عليهما السلام : ( وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ) وفي قصة موسى عليه السلام : (فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة (عن رسول الله(: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) وقال تعالى في قصة نوح : (وقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) وفي قصة شعيب قال : ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ) (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب ) . وبالتوبة تتبدل أحوال الإنسان ،وتصلح أوضاع المجتمعات ،وتحل مشكلاته التي يعيشها سواء كانت مشكلات ظاهرة أو خفية ،سواء كانت مشكلات مادية أو معنوية . قال تعالى : (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيما ) وقال سبحانه : (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين ) والفلاح هو الظفر وإدراك البغية ففي الدنيا الظفر بالسعادات التي تطيب بها الحياة الدنيا وهو البقاء والعز والغنى .. والله تعالى حين أوجب التوبة قال: (وتوبوا إلى الله توبة نصوحا) وقال : (وتوبوا إلى الله جميعا) فالتوبة لابد أن تحقق فيها الشروط التالية :
أولاً: الإخلاص .قال السعدي : (إلى الله ) لا لمقصد غير وجهه من سلامة من آفات الدنيا ،أو رياء وسمعة أو نحو ذلك من المقاصد الفاسدة .
ثانياً: أن تعم التوبة جميع الذنوب لقوله تعالى: (جميعا) قال الطبري : (ارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم ..) فلا ينبغي للعبد التائب أن يحتقر أي ذنب كما قال عليه الصلاة والسلام: (إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على العبد حتى يهلكنه).
ثالثاً: المبادرة بالتوبة والعزم على عدم العودة إلى المعصية لقوله تعالى: (توبة نصوحا)
قال عمر بن الخطاب وأبي بن كعب :التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن في الضرع. وقال الحسن البصري: أن يكون نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود فيه. وقال الكلبي :أن يستغفر باللسان ،ويندم بالقلب ، ويمسك باليدين.
د. وفاء الزعاقي
قسم الدراسات الاسلامية