الجمعيات العلمية.. نظرة من الداخل

أ.د ابراهيم عبدالواحد عارف
تعتبر الجمعيات العلمية في جامعة الملك سعود منارات علمية ثقافية وتوعوية تسهم في رفد الحركة الفكرية الكبرى في المملكة العربية السعودية عموماً، و تؤسس لدور حضاري في وظيفة مؤسسات المجتمع المدني تجاه خدمة المجتمع، وهي مركز إشعاع تنموي وتعليمي مهم يُقدم الكثير من الدارسات والبحوث والخبرات والممارسات والفعاليات للمختصين والأكاديميين والخبراء والطلاب والمهتمين والمجتمع الكبير، ونحن هنا في هذا التحقيق نضعكم داخل الأجواء الداخلية للجمعيات العلمية التابعة لجامعة الملك سعود التي يربو عددها على الأربعين جمعية علمية ونلتقي مع مسؤولي الجمعيات ورؤسائها وأعضائها والمستفيدين منها...
معونات ومقرات جديدة
في البداية تحدث وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي أ. د. منصور السعيد، فقال: أعتقد أن كثيراً من الجمعيات العلمية نجحت في تقديم رسالتها العلمية من حيث توثيق التواصل بين المختصين في العلوم المختلفة والتعريف بالنهضة العلمية ببلادنا إذ تناقش في كل اللقاءات العلمية والمؤتمرات العديد من الأبحاث العلمية الحديثة التي يقدمها المشاركون من منسوبي الجمعيات العلمية، أما علاقتها بالمجتمع فقد نشرت الثقافة والتوعية في مجالاتها وقامت بتقديم الاستشارات والدراسات التي تطلب منها. ويضيف الدكتور منصور السعيد: للجمعيات العلمية مجالس إدارة منتخبة من منسوبيها هي التي تقوم بتسيير عمل الجمعيات. أما وكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي فدورها إشرافي وتنظيمي للتأكد من قانونية مايتم ومتابعة عمل الجمعيات ليكون متوافقاً مع اللوائح والأنظمة، فالوكالة لا تتدخل في سير عمل الجمعيات ما لم يقتض أمر التدخل، كما أن الجامعة وفرت إعانة مالية في ميزانيتها للجمعيات العلمية، يتم توزيعها على الجمعيات العلمية بحصص متساوية، وتسعى الجامعة إلى زيادة هذه الإعانة في الميزانية المقبلة من مليون ريال إلى خمسة ملايين ريال، هذا إضافة إلى ما تقدمه الجامعة من دعم مادي لأنشطة الجمعيات العلمية من مؤتمرات ولقاءات علمية.
كما تدعم الدولة ممثلة بوزارة التعليم العالي الجمعيات العلمية عن طريق توفير الدعم المالي وتسهيل الإجراءات وتقديم الخدمات الممكنة وكذلك القطاع الخاص الذي يرعى بعض المناسبات التي تقيمها الجمعيات العلمية والأنشطة التي تقوم بها.
وفي النية إنجاز مقر للجمعيات العلمية بالجامعة يضمها جميعاً، وهذا سيخدم الجمعيات في توفير مكاتب وقاعات اجتماعات وصالة للمعارض وغيرها من الخدمات المساندة مما يسهل عمل الجمعيات، كما تدرس الجامعة إصدار لائحة تنفيذية لسير عمل الجمعيات.
إدارة الجمعيات العلمية
أما المشرف العام على إدارة التعاون الدولي والجمعيات العلمية الأستاذ الدكتور إبراهيم بن عبد الواحد عارف فيقول: إدارة التعاون الدولي والجمعيات العلمية هي التي تشرف على جميع الجمعيات العلمية بالجامعة والتي يزيد عددها على 40 جمعية علمية أنشئت أولها وهي الجمعية السعودية لعلوم الحياة عام 1395 هـ. ثم توالت بعد ذلك الجمعيات من مختلف التخصصات. والهدف الأساسي منها هو تحقيق تواصل بين المختصين في العلوم المختلفة. فعن طريق هذه الجمعيات يتم التواصل سواء بعقد المؤتمرات السنوية واللقاءات الشهرية والندوات، الأمر الثاني التعريف بالنهضة العلمية التي تمر بها المملكة وبمستجدات الأبحاث العلمية وتوثيق الصلة بين الجمعيات والمجتمع عن طريق تقديم الاستشارات للجهات المختلفة وإيجاد الحلول.
ويواصل الدكتور إبراهيم عارف: الهيكل الإداري لكل جمعية علمية يتألف من مجلس إدارة مكون من 9 أعضاء. ويشترط في القواعد المنظمة للجمعيات أن يكون الثلث من مجلس الإدارة من جامعة الملك سعود أي ثلاثة أعضاء. ويفضل عادة أن يكون الرئيس وأمين المجلس وأمين المال من جامعة الملك سعود بحكم أهمية هذه الوظائف العلمية في تسيير الأعمال اليومية للجمعية التي تحتاج إلى وجود أشخاص متفرغين للعمل اليومي على عكس الشخص المقيم في مكان بعيد عن مقر الجمعية.
بالنسبة لمقر الجمعيات العلمية قدمت وزارة التعليم العالي مشكورة مبلغاً مالياً كبيراً وطلبت من الجامعة أن تقيم مبنى خاصاً للجمعيات العلمية. وهذا المبنى إن شاء الله في طوره إلى أن يتحقق حيث تم عمل التصميمات اللازمة ومراجعتها من قبل المهندسين وأُعلن في الجرائد اليومية عن منافسة لإنشاء هذا المبنى. وأنا أتوقع إن شاء الله في القريب العاجل أن يتم تحديد المقاول، وسنبدأ على الفور بالتنفيذ، وهذا المبنى الموحد سيوفر أموراً عديدة بما فيها الاستخدام الأمثل للإمكانات، لأن كل الجمعيات العلمية ستكون في مكان واحد، حيث تكون متطلبات العمل في السكرتارية متوفرة بشكل أفضل وبتوفر قاعات كبرى للاجتماعات وقاعات صغرى يكون عطاء الجمعيات بالتالي أفضل.
جمعية التراث الشعبي
أما الأستاذ الدكتور فالح بن شبيب العجمي أستاذ اللسانيات بقسم اللغة العربية ورئيس الجمعية السعودية للهجات والتراث الشعبي فيقول: الجمعية السعودية للهجات والتراث الشعبي أقدم جمعية علمية في المملكة. تأسست عام 1387هـ ونشأت قبل إنشاء نظام الجمعيات العلمية السعودية. وبعد إنشاء هذا النظام تحولت الجمعية ضمن اللائحة المنظمة للجمعيات العلمية وهي بالتالي تُصبح من أقدم الجمعيات في الجامعة والمملكة بشكل عام.
أهدافها هي جمع التراث الشعبي في مناطق المملكة المختلفة، والاهتمام أيضاً بلهجات شبه الجزيرة العربية ودراستها ومقارنتها ببعض التراث العربي القديم، كانت بعد تأسيسها قد مرت بمرحلة ركود ثم أُعيد إحياؤها في عام 1426هـ ، وتكونت لها لجنة تأسيسية وافق عليها المجلس العلمي بجامعة الملك سعود ثم تكون مجلس الإدارة الأول بعد الفترة التي كانت الأنشطة فيها مجمدة، مجلس الإدارة هذا تكون في ذي الحجة من عام 1427هـ وما زال قائماً وهو يتكون من تسعة أعضاء كما ينص النظام، ومقرها طبعاً في الجامعة ونحن لا نزال نطالب بإعطائنا مقراً مناسباً للجمعية وهو تحت التأسيس.
وعن اهتمامات الجمعية السعودية للهجات والتراث الشعبي يقول الدكتور العجمي : الجمعية تهتم باللهجات والتراث الشعبي والدراسات المعنية بلهجات شبه الجزيرة العربية تأطيرها ومقارنتها ببعض الدراسات الخاصة باللغة العربية قديماً وحديثاً والاهتمام الآخر يكون بالتراث الشعبي سواء التراث العيني (المادي) أو التراث المجرد (الفكري) في كل منطقة من مناطق المملكة تدرس الأشياء الجامعة دراسة اجتماعية ويتم الاهتمام بها في كل النواحي التي نستطيع أن نقوم بها في هذا الشأن حسب الإمكانات، يذكر أن الجمعية كان لديها متحف للأشياء العينية هذا المتحف موجود حالياً في كلية السياحة والآثار، هناك دراسات سواء عُملت في جامعة الملك سعود أو جامعات أخرى تكون معنية بلهجات شبه الجزيرة العربية، هذه طبعاً مدار اهتمام الجمعية، ويُمكن أن يهتم بها وتُعاد طباعتها وتنسيقها وإصدار سلاسل فيها، هناك اهتمام أيضاً بالأمثال الشعبية وبعض التراث الشعبي من حكايات وشعر شعبي وفنون مرويّة هذه يُمكن توثيقها وجعلها مصادر للثقافة الشعبية في المملكة، وهناك بالتأكيد جانب فلكوري يختلط فيه المحسوس بالمجرد ببعض الأشياء كالعرضة الشعبية والأغاني التي تصاحبها.
أول العقبات التي تواجهها الجمعية العقبة المادية، عندما لا تجد الدعم اللازم أو تتاح لك الفرصة في خدمة المجتمع فهذه عقبة كبرى، وهناك الوهم الذي يتناقله بعض الناس وأحياناً بشكل مغرض أن الجمعية تهتم باللهجات والموروث الشعبي على حساب الفصحى والهوية القومية والوطنية والإسلامية، وهذا طبعاً وهم كبير لا يوافق عليه كثير من العارفين بطريقة دراسة اللهجات أو تراث الأمم والشعوب المختلفة لأن العكس هو الصحيح فتلك الدراسة رافدة وليست معارضة ولا تنقص جهود الجهات التي تدرس الفصحى أو تهتم بالتراث الوطني أو القومي.
التواصل الإعلامي صراحة ضعيف مع كل الجمعيات العلمية، هذا لا شك فيه لكن بعض الإعلاميين عندما تتحدث معهم تجد عندهم الاهتمام بالتراث وبكثير من الأنشطة التي تُعنى بها لكنها اهتمامات في الواقع تبقى شخصية لا تُنقل إلى البرامج التلفزيونية ولا تنشر ولا يوضع لها حيز إلا عندما يجدون مناسبة أثناء مهرجان الجنادرية مثلاً، لكنها تبقى محاولات فردية وليست نسقاً إعلامياً.
أوضاع صعبة
أما الدكتور عبدالرحمن بن سليمان الرزيزاء رئيس الجمعية السعودية للعلوم الرياضية فيقول: الجمعية السعودية للعلوم الرياضية تأسست عام 1405 هـ في كلية العلوم قسم الرياضيات بجامعة الملك سعود، وتهدف إلى أن تكون رابطاً بين المتخصصين في العلوم الرياضية وإقامة الندوات والمنتديات في العلوم الرياضية ونشر ثقافة تعلم الرياضيات لأبناء المجتمع ومصادر تمويل هذه الجمعية هي العقبة الرئيسة لا يوجد هناك مصدر ثابت، وهذا الذي يؤثر على أنشطة الجمعية. في الآونة الأخيرة جامعة الملك سعود أوجدت دعماً مالياً، أستطيع القول بأنه رمزي لا يفي بمتطلبات الجمعيات العلمية للقيام بأنشطتها المختلفة، وبالتالي الدعم المالي يعتمد على العلاقات الشخصية لأعضاء مجلس الإدارة وأيضًا على قناعة الناس بالعلوم الرياضية فلا يوجد هناك دعم ثابت، الجامعة أعطتنا هذه السنة 50 ألف ريال لكن ماذا تعمل 50 ألف إذا أردت أن تقيم مؤتمراً أو ندوة لا تكفي حقيقة لأي نشاط يُذكر، بالكاد 50 ألف هذه نوظفها لطباعة المجلة العلمية. كما أن عدد المشتركين في الجمعية السعودية للعلوم الرياضية قليل جداً ،وبالتالي الاشتراكات لا تمثل مردوداً مالياً جيداً أنا عندما ترأست الجمعية كان عدد أعضائها لا يتجاوز 70 عضواً تقريباً.
العقبات الأساسية التي تقرض الجمعية السعودية للعلوم الرياضية في رأيي عدم توفر مقر ثابت لها تستطيع أن تزاول النشاط من خلال هذا المقر وليس من مكان أعضاء هيئة التدريس الذين يمثلون مجلس الإدارة، مع الأسف الآن مقر الجمعية يتنقل مع كل رئيس جديد، عضو هيئة التدريس الذي يُكلف برئاسة الجمعية ينقل مقر رئاسة الجمعية إلى مكتبه الشخصي، وهذا في رأيي غير صحيح، المكتب المُعطى للجمعية هو عبارة عن مستودع صغير في كلية العلوم لا يفي بمتطلبات الجمعية، نعاني أيضاً من عدم وجود موظفين يعملون في الجمعية، وإنما السكرتارية التي تعمل فيها متعاونة أصلها موظفون في قسم الرياضيات، ولا يستطيع أن يعطيك وقته ويعمل في الجمعية أيضاً، حتى لو أردت التعيين تحتاج إلى مصدر دخل ثابت، وهذا يُفتقد في الجمعية ونحتاج إلى دعم. الجمعية السعودية للعلوم الرياضية بحاجة إلى تسويق وبحاجة إلى إعلام وهذه تفتقر إليها الجمعية. من الصعب أن يكون رئيس الجمعية هو الذي سيتولى كل القضايا التحريرية والقضايا التسويقية والإعلام والسكرتارية كلها.
إنجازات ونجاحات
أما الدكتور عبدالله بن جلوي الشدادي عضو شرف الجمعية السعودية للإدارة فيقول: الجمعية السعودية للإدارة هي جمعية تعمل تحت مظلة جامعة الملك سعود وتسعى إلى تنمية وتطوير الفكر الإداري في المملكة العربية السعودية، نشطت الجمعية بشكل كبير في الفترة الأخيرة مما زاد أعضاءها في كافة مناطق المملكة حتى تجاوز أكثر من 3700 عضواً مقرها الرئيس في جامعة الملك سعود ولها 6 فروع في مناطق مكة المكرمة والمنطقة الشرقية والمدينة المنورة والقصيم وحائل وعسير. وتهدف الجمعية إلى نشر الفكر الإداري وتنمية الوعي والربط بين المجتمع الأكاديمي الإداري والمجتمع التطبيقي في القطاع الخاص والقطاع الحكومي وإيجاد علاقات ونوع من التعارف لجميع المتخصصين والمهتمين والممارسين للإدارة في مناطق المملكة العربية السعودية وفي العالم أيضاً. ونظمت الجمعية خمسة ملتقيات إدارية. تستند الجمعية في تمويلها على الجامعة وعلى دعم ومساندة منشآت القطاع الخاص، ومن المصادر رسوم الاشتراكات من أعضاء الجمعية رجالاً ونساءً حسب نوع العضوية وأعضاء شرف الجمعية الذين تجاوز عددهم 40 عضواً يدعمون الجمعية ويساندوها وأيضاً الغرف التجارية ورجال الأعمال لهم أياد بيضاء على الجمعية السعودية للإدارة، برامج الجمعية كثيرة منها إصدار مجلة بعنوان (آفاق للإدارة) ربع السنوية، والمجلة العلمية المحكمة، والملتقيات والندوات والمؤتمرات التي تنظمها الجمعية وورش العمل. الجمعية السعودية للإدارة جمعية مميزة وتؤكد على أهمية المزج بين الفكر الأكاديمي والممارسة التطبيقية، وبالتالي هي تشمل منظرين أكاديميين متخصصين ومفكرين وخبراء وأيضاً ممارسين ومطبقين، المفكرون والخبراء من الجامعات، والممارسون والمطبقون من منشآت القطاع الخاص والمنشآت الحكومية من الحياة العلمية، وبالتالي هي تمزج بين هذين الفكرين وهذين المحورين سواء في مجلس الإدارة تجد المتخصص الأكاديمي وأيضاً ممارسين مطبقين وكذلك في ندواتها ومؤتمراتها وورشها تجد أيضاً أن المفكر والممارس موجودان في آن واحد إما متحدثاً أو مشاركاً أو مستمعاً.