تزايد عدد مدن المملكة من 58 مدينة إلى 212 مدينة خلال 30 سنة ... دراسة تؤكد:
ضرورة تشجيع نمو المدن الصغيرة والمتوسطة
تُشير الدراسة إلى أن منظومة المدن السعودية تشهد تغيرات كبيرة في تركيبها الحجمي، ومعدلات نموها السكاني، وسماتها الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، مما يتطلب رصد هذه التغيرات، وفهم أبعادها المكانية واتجاهاتها المستقبلية.
أهداف الدراسة:في ضوء توافر نتائج التعداد العام للسكان والمساكن لعام 1425هـ، هدفت الدراسة المذكورة إلى ما يلي:
ـ رصد التغير في معدلات التحضر على المستوى الوطني والمناطق الإدارية في المملكة خلال الفترة (1974-2004م).
ـ التعرف على نمط التركيب الحجمي للمدن، ودرجة الهيمنة في النظام الحضري السعودي في عام 2004م.
ـ إبراز التباين في معدلات نمو المدن، والتعرف على بعض أسبابه، أو العوامل المؤثرة فيه.
ـ التعرف على بعض الخصائص الديموغرافية للمدن حسبما يتوافر من بيانات تعداد السكان والمساكن لعام 2004م.
تزايد عدد المدن:
أشارت الدراسة إلى أن عدد المدن في المملكة قفز من 58 مدينة في عام 1394هـ إلى 212 مدينة في عام 1425هـ، مما يعني أن عدد المدن تضاعف أكثر من أربع مرات خلال 30 سنة فقط. وقد شهدت جميع المناطق الإدارية زيادة كبيرة في أعداد مدنها خلال الفترة ذاتها، وذلك بسبب نمو القرى التي أصبحت - فيما بعد - في عداد المدن نتيجة بلوغ عدد سكانها 5000 نسمة أو أكثر. وتجدر الإشارة إلى أن (المدينة) هي كل تجمع سكاني (أو بلدة) يصل عدد سكانها إلى خمسة آلاف نسمة أو أكثر.
مستوى التحضر:
نتيجة لنمو المدن وتزايد أعدادها في المملكة، فقد شهد التحضر في المملكة (أي نسبة السكان في المدن) ارتفاعاً مضطرداً خلال الفترة (1394-1425هـ)، إذ ارتفع من 46% إلى 81% مع تفاوت واضح في نسب التحضر في المناطق الإدارية (الجدول 1). وهذا يعني أن (81%) من السكان في المملكة يعيشون في المدن في عام 1425هـ. وقد حققت منطقة الرياض أعلى مستويات التحضر في المملكة (91%)، في حين سجلت جازان أدنى مستوى (34%). ويعيش في مدينة الرياض - وحدها - (18%)، وفي مدينتي الرياض وجدة - معاً - نحو (30%) من إجمالي سكان المملكة.
الهيمنة الحضرية:
على الرغم من التغير الكبير في مستويات التحضر وأعداد المدن وأحجامها؛ إلا أن الهيمنة الحضرية لم تتغير كثيراً. فعلى العكس من الوضع الحضري في بعض الدول، فإن مستوى الهيمنة الحضرية في المملكة ليس مرتفعاً، إذ لا توجد مدينة واحدة مهيمنة بدرجة كبيرة جدّاً، بل يمكن القول بأن المدن الست الكبرى تظهر نوعاً من الهيمنة على النظام الحضري. وفي ضوء ذلك، لا يبتعد النظام الحضري في المملكة عن قاعدة الرتبة - الحجم. وعلى الرغم من ذلك، أظهرت الدراسة أن المدن الرئيسة تتركز في المحور الشرقي - الغربي (أي مناطق الشرقية - الرياض - مكة المكرمة - المدينة المنورة)، ويقطن بها معظم سكان الحضر، مما يُشير إلى نقص في أحجام المدن خارج هذا المحور. وإلى جانب ذلك، يبرز الخلل جليًا في انخفاض أحجام المدن الصغيرة عما هو متوقع حسب قاعدة الحجم-الرتبة.

معدلات النمو السكاني السنوي:
يظهر من خلال دراسة نتائج التعداد السكاني الأخير، أن هناك تفاوتاً واضحاً في معدلات النمو السكاني من مدينة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى. وتجدر الإشارة إلى أن المدن الرئيسة (الرياض وجدة ومكة المكرمة والدمام والمدينة المنورة) احتلت موقعاً وسطاً من حيث معدلات نموها، في حين سجلت بعض المدن الصغيرة معدلات مرتفعة مثل الباحة وبحرة وغيرها. كما سجلت بعض المدن المتوسطة والصغيرة نمواً بطيئاً أو سالباً. ولا شك أن اتجاهات الهجرة الداخلية والخارجية، وعمليات الدمج وابتلاع القرى والمراكز الريفية المجاورة تُعد من العوامل الرئيسة التي تُفسر التباين في معدلات النمو. وعلى أية حال، فإن المدن الأسرع نمواً خلال الفترة (1413-1425هـ) هي: بحرة التي بلغ معدل نموها السنوي نحو (15% سنوياً)، ثم مدينة الباحة (14%)، فبلجرشي (10%)، ونجران (8%) (الجدول 2). في الحقيقة، لقد جاءت هذه المعدلات مخالفة للتوقعات ولافتة للنظر، إذ ليس من المتوقع أن تأتي الباحة في مقدمة المدن، وهي تقع في منطقة تعاني من الهجرة الداخلية المغادرة! ولكن كما يُقال: (إذا عُرف السبب بطل العجب). يبدو أن النمو المسجل في المدن الصغيرة والمتوسطة التي احتلت المراكز الأولى جاء نتيجة ضم أو دمج بعض القرى والمسميات السكانية إليها، مما أدى إلى زيادة سكانها بشكل كبير.

ومن جهة أخرى، سجل قليل من المدن الصغيرة والمتوسطة معدلات سالبة (أي شهدت تناقصاً في عدد سكانها)، ومنها: حالة عمار، ورحيمة، وبقيق، وجليجلة، والقطيف، وذلك لأسباب مختلفة .
أما المدن الست الكبرى في المملكة، فقد جاءت معدلات نموها خلال الفترة (1413-1425هـ) أقل مما كانت عليه خلال الفترة (1394-1413هـ) بمقدار النصف تقريباً (شكل 1). وعلى أي حال، فإن معدلات نموها السنوية على النحو التالي: الدمام (حوالي 4%)، المدينة المنورة (3.4%)، الرياض (3.2%)، مكة المكرمة (2.4%)، جدة (2.3%)، الطائف (1.9%). وللمقارنة بالفترة السابقة، فقد كان معدل النمو السكاني لمدينة الرياض (7.1%) خلال الفترة (1394-1413هـ)، ونحو (7.5%) للدمام، و(7.2%) لجدة، و(5.4%) لمكة المكرمة خلال الفترة ذاتها. ولا غرابة في ارتفاع هذه المعدلات الأخيرة، إذا علمنا أنها سجلت خلال الطفرة الاقتصادية الهائلة التي شهدتها المملكة.
وباختصار، فإنه يمكن تصنيف المدن السعودية من حيث معدل النمو السكاني السنوي خلال الفترة (1992-2004م) إلى الفئات الخمس التالية:
(1) مدن ذات نمو سكاني مرتفع جدّاً (أكثر من 6% سنوياً)، ومنها: بحرة، وبلجرشي، ومحائل، ونجران، ووادي الدواسر، وتاروت، وعرقة. وتُعد نجران أكبر هذه المدن من حيث عدد السكان.
(2) مدن ذات نمو مرتفع (4-5.9% سنوياً)، ومنها: المجاردة، والعقيق، والكلابية، وقلوة، ومهد الذهب، والنماص، والبدائع، وظهران الجنوب، وجيران، وفرسان، وخميس مشيط، وحفر الباطن، وطبرجل، وشرورة، ورماح. وتأتي كل من خميس مشيط وحفر الباطن وأبها وسكاكا وجيزان في مقدمة هذه المدن من حيث الحجم السكاني.
(3) مدن ذات نمو متوسط (2-3.9% سنوياً)، وتشتمل على المدن الكبرى ومعظم المدن المتوسطة، بما فيها المدن الست الرئيسة وكثير من المدن الكبيرة والمتوسطة، مما يعني أن النمو السكاني في هذه المدن أكثر ثباتاً واعتدالاً من المدن الصغيرة التي شهدت نمواً مرتفعاً أو سالباً. على أي حال، يمكن تقسيمها إلى مجموعتين فرعيتين: الأولى يتجاوز معدل نموها 3%، وأبرزها الرياض والدمام، والثقبة، وبريدة، والمدينة المنورة، وحائل، وتبوك، وأغلبها مدن كبيرة. وتشتمل المجموعة الثانية على الرس، والقريات، والمجمعة، وحوطة بني تميم، وعرعر، ومكة المكرمة، والظهران، والخرج، وجدة، والمبرز، ودومة الجندل، وشقراء، والهفوف.
(4) مدن ذات نمو منخفض (1-1.9% سنوياً)، ومنها العيون، والزلفي، والطائف، وضرما، وليلى، والدلم، والخبر. وتُعد الطائف والخبر أكبر مدن هذه المجموعة سكانياً.
(5) مدن ذات نمو سالب أو متدنٍ (أقل من 1% سنوياً)، ومنها الحلوة، والخفجي، والقطيف، وتثليث، وبقيق، ورحيمة، وحالة عمار. وتأتي مدينة القطيف في مقدمة هذه المدن من حيث الحجم السكاني.
توصيات الدراسة:
تمخضت الدراسة عن بعض التوصيات التي تُعد امتداداً للجهود السابقة في مجال الدراسة، ولعل من أبرزها: (1) ضرورة تشجيع نمو المدن الصغيرة والمتوسطة، لتحقيق تنميــة مكانية أكثر توازناً وفعـالية، وهذا -في الحقيقة -ما تسعى إليه خطة التنمية الخمسية وكذلك الإستراتيجية العمرانية الوطنـية. (2) إيجاد قاعدة بيانات عن خصائص المدن السعودية وسماتها الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية لحفز مزيد مـن الدراسـات الحضرية، خاصة أن هناك نقـصاً كبيراً في البيانـات لا يتـيح المجـال لـدراسة المدن السعودية بعمق، والتعرف على العوامل المؤثرة في نموها، وإبراز خصائصها وتركيبتها السكانية. (3) ضرورة إعداد خطة تنفيذية دقيقة لتنفيذ الإستـراتيجية العمرانية الوطنية توضح الآليات والأطر الزمنية والمكانية والجهات ذات العلاقة ومهامها
دراسة للأستاذ الدكتور رشود بن محمد الخريف ـ أستاذ جفرافية السكان
عنوان البحث: التحضر ونمو المدن في المملكة العربية السعودية خلال الفترة (1974-2004م)
مكان النشر: الجمعية الجغرافية الكويتية.