English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

حَتّى نَكُونَ عَرَبًا


إن للغة أثراً كبيراً في توجيه الفكر الإنساني و استيعابه للحياة , فهي تسهم في تطوير المعرفة وصناعة الحضارة, فالإنسان يتمكن من الحديث عن أمور شتى إذا كانت معروفة في بيئته مرصودة في لغته، أما الأمور المستجدة أو الغريبة عن لغته نجده لايحسن الحديث عنها ولا ينجح في نقل واقعها -كما هو- إلى الآخرين، وهنا نرى أثر اللغة و حتميتها في أن تكون المعرفة أو لا تكون ..!  و مما يسند هذا القول اختيار الله سبحانه وتعالى أن تكون المعجزة الكبرى للإسلام متمحورة حول اللغة، لتستمر هذه المعجزة حتى أمد غير معلوم، ويتبين ذلك أكثر حينما نسمع بالمعجزات التي مُنح إياها الرسلُ قبل محمد صلى الله عليه وسلم .. وكلها الآن انتهت لأنها كانت محددة بزمن وبشخص النبي المرسل .. أما القرآنُ فهو معجزة مطلقة، وهي عامة للثقلين جميعهما..! ولا يكمل إيمان المسلم حتى يتدبرَ القرآن الكريم و يفهمه، و لن يتدبره إلا بمعرفة الأسس اللغوية التي تحكم كلام العرب، ومن هنا كان لزاماً على كل مسلم أن يتعلم العربية..!  المؤسف حقاً أن يشكك أحد في أهمية إتقان اللغة، ويدعي في جهل مركب أن اللغة ليست إلا مفردات و كلمات, ويزعم أن اللغات تنوب بعضها عن بعض، فنحن العرب قد تكفينا الإنجليزية وربما أضافت لنا أكثر من العربية تلك التي تخلفت عن الركب كثيراً.. إنها مزاعم ساذجة , انبرى لإشاعتها الكثير منذ فترة الضعف والانكسار ..! لكن الحقيقةَ، أن بُعدَنا عن لغتنا هو بعدٌ عن ذواتنا، والتصاقنا بلغة أخرى هو الطريق الأقصر إلى سحقِ وجودنا و كياننا الإنساني، وهو تبرؤٌ فاضح من منجزاتنا الثقافية العظيمة التي فاخر بها آباؤنا الأممَ,الحق أنه ما من أمة ادعت أن نهضتها سوف تبدأ من ترك لغتها القومية، واقتفاء لغة أخرى حتى الغرب إبان ضعفه، وموقفه موقف التلميذ أمام العرب لم يناد باتخاذ العربية لغة له!؛ لأنهم يعلمون أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتفاهم، إنما هي جزء من شخصية الأمة، وركيزة من ركائز قوميتها وشيء من معناها.! وقد نبه الدكتور أحمد الضبيب- وهو مدير سابق للجامعة -: إلى أن تبني اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات هو بمثابة الانتحار الحضاري الذي تقدم عليه الشعوب المتخلفة دون أن تدري،ويكفي أن نعلم أن كثيراً من الشعوب في أفريقيا وغيرها سادت فيها اللغات الأجنبية وأصبحت لغاتها الرسمية التي تتحدث بها وتكتب بها ظناً منها أنها ستكون جزءاً من هذه الأمة المتقدمة أو تلك، لكنها لم تحصد سوى التخلف والبؤس والفرقة. فترك اللغة العربية وإهمال تعلمها أو التقليل من أهميتها من شأنه أن يثير عدداً من المشكلات أسوؤها:
- الابتعاد عن القرآن الكريم،  والجهل به قراءة و معنى .. و كيف نستوعب تلك المعجزة الخالدة، أو ندرك شيئاً من أسرارها، ونحن عاجزون عن القراءة الصحيحة ومعرفة قواعدها..!
- الانهزام والسحق الاجتماعي والثقافي، فاللغة تمثل سياجاً يحمي الكينونة الإنسانية الذاتية والنفسية والاجتماعية . . فمتى ما انتهك ذلك السياج أدى إلى البحث عن غيره، ومن ثم التبعية للغير..!
-نبذ الماضي العريق، وعدم إدارك قيمته، وتبعاً لذلك يحدث الانسلاخ الحضاري والقيمي الذي تتعوذ منه حتى قبائل الأقزام في أدغال أفريقيا.
- التفكك السياسي، وتشتت الواشجة الثقافية والاجتماعية التي حرستها اللغة العربية الفصيحة بين الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط .. وبذلك تتشرذم تلك الأمم، ويصعب التواصل فيما بينها، وقد يحدث ذلك قلاقل سياسية وإنسانية بعد الوئام السائد..! إن الآثار المترتبة على ذلك أكثر من أن تحصر..! وقد أعدت الجامعة مادتي (101 و103 عرب ) مواد إعدادية، وهي يسيرة مبسطة، تجمع الأسس اللغوية و الأصول التي تقوم عليها اللغة الفصيحة، بعيداً عن التفاصيل العميقة والآراء المختلفة، لأنه من اللازم على كل من بلغ مرحلة الجامعة أن يكون ملماً بأسس اللغة، وإلا فهو غير جدير بأن يحسب من المتعلمين الذين يُعتمد عليهم، كونه جاهلاً بلغته, فيغض من ذاته و يحتقر أمته ويزدري حضارته، وينجر إلى مهاوي التبعية والذلة، وهناك يكمن داء الأمم الضعيفة. أليس من العار أن يتحاشى الطالب الخطأ في لغة غير لغته، و يتفصد جبينه عرقاً، ويعد ذلك ضربا ًمن القصور وقلة الثقافة والنقص في الشخصية ؛ ثم نجده يتعتع في لغته ويلحن فيها ويتعدى حدودها، ولا يرى في ذلك بأساً أو نقصاً.! و كما أسلفتُ فهذه النظرة السقيمة لها عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها. ولا ننكر أنه من المستحسن تعلم المرء لغة أو لغتين بعد اللغة الأم، بل إن ذلك يرتفع إلى رتبة الواجب إن كان لطالب جامعي نبيهٍ، ففي ذلك نفع عظيم له و لوطنه، لكن الخيانة العظمى أن يبدل لغته أو يجهل منها الكثير، والسبب في ذلك انشغاله بتعلم لغة أخرى..! فلعل أذناً واعية تعي، وقلباً يقظاً يستجيب..!

أ.حازم بن فهد السند

 
 
  imag