توطين التقنية الحيوية.. الواقع والمأمول
تعد مخرجات التقنية الحديثة في الوقت الحالي من أهم صفات الأمم المتقدمة التي دخلت في جميع مجالات الحياة، وكما قيل: لا حياة بدون تقنية، فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية أخذت بوسائل التقنية الحديثة في مختلف المجالات، وها هي تقدم لنا اليوم النموذج الواضح للتقدم التقني الهائل، كما أن التقدم التقني للمارد «التنين» الصيني لا يزال يثير الخوف والدهشة لدى شعوب العالم المختلفة. وبنظرة سريعة فإننا لا نزال في المملكة العربية السعودية نسمع بين الفينة والأخرى عن بعض المقالات العلمية والثقافية عن التقنية والتي لا تسمن ولا تغني من جوع وإنما يمكن اعتبارها من ضمن الترف الفكري للإشارة إلى مثل هذا الموضوع الحيوي في المناسبات العلمية فقط، كما أنها ترف فكري يشار إليها من وقت لآخر ومن تلك المصطلحات توطين التقنية والتقنية ا لمستدامة واستيراد التقنية وتصديرها، ولكن مع شديد الأسف فإن تلك المصطلحات لا مجال لها في التطبيق العملي في الجامعات السعودية ومراكز الأبحاث العلمية ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية سوى بنسبة ضيئلة جداً لا تكاد تذكر والدليل على ذلك في أننا لا نزال نستورد العديد من منتجات التقنية الحيوية. لا بد من الإشارة إلى أننا في حاجة ماسة في المملكة العربية السعودية إلى مجالات التقنية الحيوية والذي حقق لشعوب العالم العديد من المكتسبات الغذائية والزراعية والطبية والصناعية، حيث إن متطلبات التقنية الحيوية متوفرة في جميع الجوانب البيئية الطبيعية والتي مع شديد الأسف لم يتم استغلالها استغلالاً علمياً صحيحاً، فالغاز الطبيعي ومخلفات التمر واللحوم والدواجن والأبقار والأوراق وفضلات الطعام والحبوب والخضراوات على سبيل المثال لا يزال يتم التخلص منها بالطرق التقليدية وهو الحرق أو الدفن، في حين تعد المخلفات والنفايات بيئات ملائمة لإنتاج البروتين الميكروبي أحادي الخلية (sigle cell protin)، في حين يمكن على سبيل المثال الاستفادة من التمر لإنتاج المضادات الحيوية والفيتامينات والإنزيمات والخل وخميرة الطعام ومنتجات الألبان والأجبان المختلفة، بالإضافة إلى أن توطين التقنية الحيوية في منطقة الخليج العربي سوف يسهم بإذن الله تعالى بدرجة كبيرة في التخلص من المشكلات والأضرار البيئية والصحية والاقتصادية (ابن صادق، 1424هـ، 1426هـ،1427هـ). إن غياب التقنية الحيوية يعد في الوقت الراهن من أكبر المشكلات التي تواجه القائمين في مجال الحفاظ على البيئة، وذلك للافتقار للمختصين في مجال التقنية الحيوية، فمن خلال النفايات البيئية ومخلفات الصرف الصحي يمكن الحصول على الغاز الحيوي (Fiogas) والذي يعد في العديد من دول العالم مصدراً جيداً للطاقة، بالإضافة إلى انطلاق كميات وفيرة وجيدة واقتصادية من العديد من الغازات ذات الفائدة الاقتصادية وفي مقدمتها غاز الميثان، ومن خلال المراحل الأخيرة لمعالجة مخلفات الصرف الصحي يمكن تربية الأسماك للحصول على البروتين الميكروبي أحادي الخلية وإنتاج الأسمدة والمخصبات الزراعية والاستفادة من المياه المعالجة. تتطلب المرحلة الحالية العمل على وضع الخطط اللازمة لمشاريع الخزن الإستراتيجي للمياه المعالجة والاستفادة منها في مجالات البناء وإطفاء الحرائق وسقي المسطحات الخضراء والملاعب والملاهي وغسل العربات والمركبات، والاستفادة من مخرجات التقنية الحيوية وذلك لمواجهة المشكلات البيئية المائية ومشكلات الصرف الصحي والمخلفات والنفايات البيئية والزراعية والطبية، بالإضافة إلى أن هناك العديد من الصعوبات التي تواجه الإعداد لبرامج الخصخصة في البرامج المختلفة، وتلك الصعوبات تحتاج في الوقت الراهن إلي إيجاد الحلول الخاصة للحد منها.
النفايات البيئية والزراعية والصناعية والطبية تمثل عائقاً آخر للحفاظ على البيئة، وهذه تحتاج في الوقت الراهن إلى مخرجات التقنية الحيوية، فمزارع الألبان والدواجن على سبيل المثال في مختلف أنحاء بلدنا المعطاء لا تزال تطرح مخلفاتها وهذا يكلف ميزانية الدولة المبالغ الطائلة للتخلص منها في حين أن مشاركة ذوي الاختصاص يمكن أن يسهم بدرجة كبيرة في تحويل تلك النفايات إلى طاقة حيوية استناداً لتقنيات الغاز الحيوي تساند الطاقة الكهربائية. ومن جوانب التقنية الحيوية الأخرى إنتاج الكميائيات الحيوية والتقنية الحيوية المعدنية والتقنية الحيوية البيئية والامتصاص الحيوي ومعالجة التدفقات الصناعية والتلوث النفطي والتصنيع الغذائي والزراعي والطبي والصناعي إلى غير ذلك من العديد من المجالات الحيوية المختلفة التي تعد رافداً جيداً للاقتصاد السعودي. وعليه فإن الحاجة ملحة في الوقت الراهن لإنشاء كليات ومراكز للتقنية الحيوية في مختلف الجامعات السعودية للعمل على إعداد وتجهيز وتخريج الكوادر العلمية المتخصصة في مجالات التقنية الحيوية المختلفة ومنها على سبيل المثال التقنية الحيوية الطبية والصيدلية والزراعية والغذائية والصناعية والنفطية. لا شك في أن التوسع في تطبيق التقنية الحيوية من قبل مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية ومعهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج يعتبر ذا أهمية بالغة للاستفادة من الكميات الهائلة من الأضاحي والنفايات في موسم الحج والعمرة، وهذا يسهم بدرجة كبيرة في زيادة الدخل ودعم الاقتصاد الوطني وتوفير الفرص لخريجي الجامعات السعودية في المجالات التطبيقية الحيوية المختلفة. تؤدي الاستفادة من التقنية الحيوية على سبيل المثال إلى الحد من الاستيراد الهائل للمضادات الحيوية والتي ربما يحدث لها تلوث عند صناعتها مع العقاقير الأخرى، وعليه فيجب على دول منطقة الخليج العربي تحقيق الاكتفاء الذاتي لكميات المضادات الحيوية الضخمة المستخدمة في المنطقة، كما أن المضاعفات الجانبية للآثار الضارة للأدوية لا يمكن التعرف عليها بسهولة إلا عندما تظهر بعض التحذيرات من الدول الغربية، إن ضعف الرقابة على الأدوية المستوردة يحتم ضرورة الاستفادة من التقنية الحيوية لإنتاج المضادات الحيوية محلياً، ومن أكثر الأمثلة على ذلك عقار (الفينال بيوتوزون) والمستخدم للتخفيف من آلام المفاصل والذي سبب العديد من الوفيات في الغرب وتم سحبه من الأسواق الغربية في حين لا يزال يستخدم في بعض دول العالم الثالث. يدرك الإخوة ذوو الاختصاص في الجامعات الخليجية والسعودية بصفة خاصة أهمية الجوانب التطبيقية للتقنية الحيوية وما تحققه من مردود إيجابي لإيجاد العديد من الحلول للمشكلات البيئية والصحية والاقتصادية التي تعاني منها منطقة الخليج العربي، حيث برزت في الوقت الراهن العديد من الأضرار المختلفة، ولكن مع شديد الأسف فإنها لم تجد الاهتمام الكافي من قبل المختصين في الجامعات السعودية والخليجية.
د. عبدالوهاب بن صادق
أستاذ التلوث الميكروبي البيئي