الأمير سلمان بن عبدالعزيز والتاريخ

صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز باسم جامعة الملك سعود وكلية المجتمع بالمجمعة نرحب بزيارة سموكم الكريم لمحافظة المجمعة. رجل تاريخ من الطراز الأول اهتم ولايزال مهتماً بتاريخ وطنه وأمته. هذا مارأيناه بأعيننا،ولمسناه بأيدينا وسجلناه بمداد أقلامنا، وتاريخه يشهد على ذلك، ولكن سأقف على شاهدين حيين تدل على ثقافة سموه التاريخية واستراتيجيته الفكرية.
الأول: عندما أختيرت مدينة الرياض عاصمة الثقافة العربية لعام ألفين.ضمن هذه الفعاليات، وبعد عامٍ أقامت دارة الملك عبدالعزيز برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز ندوة علمية بعنوان:(المملكة العربية السعودية وفلسطين: العلاقة والمصير ). هناك وفي إمارة الرياض اسقتبل الأمير الوفد المشارك في هذه الندوة الذي زاد عددهم على الثلاثة والثمانين، وكنت من ضمن المشاركين في هذه الندوة. كان ذلك صباح يوم السبت 27/محرم 1422هـ ./الواقع في 21 إبريل/ 2001 م. حيث سلم علينا فرداً فرداً مرحباً بالجميع وابتدأ بكلمته مرتجلا ً سأذكر بعضاً منها قال سموه:(… أهلاً وسهلاً في بلدكم (المملكة العربية السعودية)، وبدون مبالغة أقول لكم إنها البيت العربي الكبير لجميع العرب).
ثم تطرق مباشرة إلى لب الموضوع وهو القضية الفلسطنية ... ومواقف المملكة منها ...
(..إن القضية الفلسطينية قضيتنا، وهي قضية أساسية ليس في ذلك هزل. وبما أنها قضيتنا فأمنها أمننا واستقرارها هو أمننا واستقرارنا، ويعلم الله أنني أعيشها بكل جوارحي على مدار الساعة مع الشعب الفلسطيني فنحن منهم وهم منا، ولهم منا بكل ما نملكه من جهد ومال…
فهي بالنسبة لنا كما قلت، قضية أساسية، وحساسة على المستويين الأمني والاستراتيجي. ولو ترجعون وراءً إلى تاريخ المملكة، لتجدون في تاريخ الملك عبد العزيز تجاه هذه القضية مواقف ثابتة وقوية. ومن بعده كذلك كل من الملك «سعود» والملك «فيصل» والملك «خالد» إلى يومنا هذا.إذاً فهي قضية نؤمن بها، وهي قبل كل شيء قضية إسلامية. ثم استدار إلى رئيس الوفد الفلسطيني، الوزير رفيق شاكر النتشه ومرافقيه الذين كانوا عن يمينه مباشرةً قائلا« لهم :أيها الأخوة، نحن رفاق مصير ولسنا رفاق طريق، والقدس بالنسبة لنا مثل مكة والمدينة. إن الذي يميز موقف المملكة من القضية الفلسطينية- وأقولها بصراحة- جربتم الأيديولوجيات ،القومية،الشيوعية، الماركسية …لدعم القضية، ولكن لم تفلحوا.لأن قضية فلسطين كما أسلفت، قضية إسلامية، فهي تخص المسلمين قبل غيرهم، وهذا هو المبدأ الذي تنادي به المملكة…..
……… أؤكد لكم، إن أكثر الأذية التي تأتينا من الإعلام الغربي كلها لتشويه صورة المملكة، سببه موقفنا الثابت والصادق من القضية الفلسطينية. ولو أن المملكة العربية السعودية هرولت في أي نوع من علاقاتها تجاه إسرائيل كما فعل البعض، لتغير موقف الكثير من هذه الوسائل الإعلامية التي تناصب المملكة العداء، وتشكك في مواقفها الصادقة، أو تتجاهلها مع دعمها اللا محدود…..
نحن في المملكة، شعباً ودولة وملكا لا نغلط في الثوابت، ونحن نتكلم بوضوح عن الحقائق بالرغم من الضغوط التي تأتينا من أمريكا وأوروبا. نحن نتكلم من فوق الطاولة… إلا أن محافظتنا على مصالح فلسطين لها الأولوية قبل كل شيء. وعندما تكون السعودية قوية، يقوي أشقاؤها بها، وتكون لها مساحة أفضل في التحرك في معالجة قضايا أشقائها. الملك عبد العزيز، كان له موقف مميز من حرب 1948 ……نحن لسنا أهل شعارات، هذا هو مبدؤنا الذي أرساه لنا الملك عبد العزيز عندما حاول مع القادة العرب أن يعالج هذه القضية قبل إعلان الدولة اليهودية في فلسطين عام 1365هـ 1946م، حيث قال لهم «إن الموقف لخطير، وأنه لا يحب كثرة الكلام والعمل الدعائي».
أقول لكم معلومةً لا يعلمها الجميع، الملك عبد العزيز في ذلك الوقت أرسل محمد بن أحمد السديري على رأس جيش إلى فلسطين، وعندما وصل الحدود منعه الحاجز. فرجع إلى الجوف وبقي معسكرا فيها سنتين….أول رجل دعا إلى الانتفاضة وطبقها هو الملك عبد العزيز، نحن انتفاضيون ولكن لسنا انتحاريين…..
نحن لسنا أهل شعارات، هذا هو مبدؤنا الذي أرساه لنا الملك عبد العزيز ... فقادة المملكة، تركوا لكم المجال، لم نأت بكم من أجل الدعاية، ولو أردنا الدعاية فشركات الدعاية معروفة لدينا…).
الثاني: هذا اللقاء كان في يوم مشهود وكلمة مشهودة لرجل مشهود، وأمام جمع غفير من أساتذة ومؤرخين وأكاديميين، الأحد 28/شوال1427 هـ . الواقع في 25/11 / 2006م .
في هذا اليوم وتحت رعايته افتتح (حفل الندوة العالمية السادسة لدراسات تاريخ شبه الجزيرة العربية).التي قامت بها كلية الآثار وكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض وألقى كلمته، كلمة لا تنم عن رجل عالم بتاريخ وطنه وأمته فقط،بل رجل ضربت جذوره في أعماق هذا التاريخ وخباياه فقال:
(… من دواعي سروري أن أكون بينكم ضمن افتتاح أعمال الندوة العالمية السادسة لدراسات شبه الجزيرة العربية،هذه الندوة شكلت علامة فارقة في جامعة الملك سعود… التي أبرزت الدور الحضاري للجزيرة العربية عبر العصور.
أيها الأخوة:إن أولى الناس بحفظ تاريخ هذه الجزيرة التي بدأت بها الرسالة على النبي العربي والتي فيها بيت الله الحرام ومسجد رسول الله والتي انطلق منها الإسلام إلى كل أنحاء العالم هم أبناء هذه البلاد وإخوانهم من بلاد العالم العربي والإسلامي وحملهم لواء الدعوة ـ).
وأكد تأكيداً مبرماً على أهمية دراسة التاريخ وخاصة تاريخ الأمة وتاريخ الوطن، لأن الأمة التي ليس لها تاريخ لايحق لها أن تعيش .(… إن التاريخ جزء أساسي من حياتنا ومن ليس له ماض ليس له حاضر لذلك أنا مسرور أن أكون بينكم هذه الليلة حتى نواصل مسارنا في البحث في التاريخ العربي والإسلامي والذي اليوم منتشر بل مصدر حضارات العالم كما تعلمون).
وفي المقطع الأخير لام بل أسف على الذين يقللون من شأن التاريخ وتعليمه ودراسته على أنه لايقدم ولايؤخر من شأن الأمم وحضاراتها بل أوجبوا التركيز فقط على الجانب التقني والمادي، إلا أن سموه أثبت لهم نظريتهم الخاطئة هذه بقوله:
( وإنني وبكل أسف أرى بعض المرات من يقول إن تمسكنا بالتاريخ يلهينا عن تقدمنا بالحاضر ؛أقول لا وألف لا، بل تاريخنا يلهمنا أن نتقدم وتاريخنا يجعلنا ننظر لحاضرنا الواقعي يجب أن يكون بتطور وتقدم ويجعلنا نرسم خطوط مسقبلنا لأبنائنا وأحفادنا ولذلك أنا ممن يعتقدون أن من لا تاريخ له لا حاضر له والأمم تعتز بتاريخها…لذلك يا إخوان أقول: بل نبعث بتاريخنا ولنتخذه عبرة وحافزاً لنا على التقدم والتطور حتى يكون حاضرنا مشرفاً كماضينا ومستقبلنا إنشاء الله).
وأخيراً وليس آخراً لقد ترجم دعمه للتاريخ والباحثين فيه بكرسي بحث للدراسات التاريخية تشجيعاً منه لجامعة الملك سعود بالرياض، وهو راعي أكثر من مؤسسة تاريخية وطنية كدارة الملك عبدالعزيز ومتحفها الوطني، والجمعية التاريحية السعودية بجامعة الملك سعود في الرياض. مثل هذا الرجل ألا يستحق منا بأن ننعته بأمير التاريخ الوطني؟.
د. كمال الخاروف
أستاذ مادة التاريخ في كلية المجتمع في المجمعة