التبرع بالأعضاء
التبرع بالأعضاء هو نقل عضو أو جزء منه من إنسان (حي أو ميت) إلى آخر، تستدعي حالته الصحية هذا النقل وبالتالي إنقاذ حياته بإذن الله.
التبرع بالأعضاء من الإنسان الميت يكون بنزع العضو غير المتجدد وغير المتعدد مثل القلب والكبد والرئة، والبكنكرياس وباقي الأعضاء في الجسم مثل الكلي، القرنية، وكذلك أنسجة الجسم مثل الجلد، صمامات القلب، والعظم، هذه الأعضاء والأنسجة وغيرها الكثير يمكن أن تنقذ بها حياة إنسان آخر لم تحن ساعته بعد. التبرع بأعضاء الإنسان الميت إلى الإنسان الحي موضوع حسمه الطب والشرع ولم يحسمه المجتمع، ومن حيث المسلك البشري العام ومعايير الأخلاق فالكل يعرف أن الحي أولى من الميت. ومن حيث القواعد الضابطة الشرعية فهناك خلاف واضح يكمن من خلال المحورين التاليين: قاعدة الضرورة المبيحة للمحظورات «إن الضرورات تبيح المحظورات»، وإشكاليات تعريف مفهوم الموت.
إن ما يعطي الموضوع أهميته الخاصة هو عامل السرعة التي يتعين أن ينزع بها العضو المراد نقله بعد الموت مباشرة أو بعبارة أدق عند الموت. فلا نستطيع نزع العضو في حالة حياة المتبرع لأن ذلك يعني إجازة القتل الصريح، ولأن كل القيم الحضارية والإنسانية والدينية والوضعية والطبية لا تجيز إنهاء حياة إنسان بزعم أنه لا فائدة منها أو بحجة أن حياته أوشكت على الانتهاء أو حتى بموجب القول بأن الموت يريحه من عذاب الآلام تفضي حتماً إلى هلاكه ولا أمل في شفائه منها، أو ما يسمى بقتل الرحمة.
ومن حيث حكم الشرع الإسلامي بقضية التبرع بالأعضاء انقسم الفقهاء إلى عدة آراء ومنها ما يجيز: سواء من الحي في حال حياته أو بعد وفاته إذا أوصى هو بذلك أو أجازه ورثته، وذلك استلهم من الآية الكريمة: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً). وقد يقول قائل: كيف يتبرع الإنسان بعضو من جسمه خاصة وأن الجسم ملك لله تعالى وهل يحق للإنسان أن يتصرف فيه؟ إن كل شيء ملك الله (لله ما في السموات وما في الأرض)، (ولله من في السموات ومن في الأرض)، و(لله ملك السموات والأرض)، والمال أليس مال الله، والله تعالى يقول: (وأتوهم من مال الله الذي أتاكم)، (ومما رزقناهم ينفقون)، و(لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله)، فالمال فضل الله ورزق الله ومع هذا فنحن نزكي ونتصدق ونتبرع به. وإذا كنا نجيزه ونتقبله فيما يتعلق بالإنسان الميت الذي لا يترتب على انتقال عضو منه ضرر، والأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد تحريم لها بنص من كتاب الله أو سنّة رسوله، لذلك أرى أنه يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته أو سلامته على هذا العضو ولكن بشرط أن يوصي الميت بالتبرع قبل موته أو بإذن ورثته بعد موته.
لقد تم إنشاء المركز السعودي لزراعة الأعضاء بعد صدور قرار من هيئة كبار العلماء بجواز نقل أعضاء من إنسان إلى آخر سواءً كان حياً أو ميتاً، كما حدد مجلس مجمع الفقه الإسلامي مفهوماً محدداً للوفاة «بشأن أجهزة الإنعاش» يمكن اعتماده طبياً وهو كما يلي: يعتبر شرعاً أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعاً للوفاة عن ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين: أولاً إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه. ثانياً: إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه وأخذ دماغه في التحلل. ومن أحد مهام هذا المركز الاهتمام بجوانب التوعية والإعلام الصحي المختص بالتبرع بالأعضاء، وبرأي أن تحقيق الأهداف المنشودة من هذه المهمة قد يكون من أهم النتائج التي قد نحصل عليها، لأننا ننشر الفكرة وبالتالي نزيد وعي المجتمع بخصوص هذا الموضوع وقد ينتج عن ذلك تقبله للفكرة وإقباله عليها.
وفي النهاية أقول إن هذه القضية وإن باتت في عرف الطب والأطباء مألوفة لكنها في نفوس الناس ما زالت تشكل هاجساً ومثار للتساؤل والحيرة هو الحلال والحرام والمقبول والمعقول، ولجعلها قضية مقبولة لدى عامة الناس يتم التعامل معها بكل تفهم ووعي وتشجيع، ويتم هذا من خلال حملة مكثفة من التوعية والإرشاد والتثقيف الاجتماعي الشامل لجميع أفراد المجتمع وفئاته، لأن التثقيف بهذه القضية هو حاجة ماسة يحتاج إليها مجتمعنا.
آلاء عبدالكريم المسلم
قسم التثقيف الصحي