اسمح لي يا أستاذي أن أخالفك في الرأي ! !
لازلت أذكر وأنا في مستواي الثالث عندما أتأمل خطتي الدراسية ، تلك المادة التي وضعت على قمة هرم المستوى السابع وسِمت بـ (200 وسل : تصميم وسائل )، فعلى رغم حداثة هذا المصطلح بالنسبة إلي إلا أنه بإلماحة سريعة للاسم يوحي بأني سأتعلم وسائل جديدة وحديثة لتصميم الوسائل التعليمية، تسهم إيجابا في تسهيل ماأشرحه لأذهان التلاميذ.
لا أخفيكم سرا مدى الصدمة التي منيت بها في هذا المستوى لما درستها، إذ أننا نمضي أوقاتا كثيرة وننفق أموالا طائلة - بالنسبة لنا كطلاب - في تعلم أساليب أكل الزمان عليها وشرب، طرق تناسب مدرس في عام 1393 أو 1399 كحد أقصى!!
على الرغم من احترامنا العميق لواضعي هذه المادة، مرورا بأساتذتها وانتهاء بمن يخالفنا وجهات النظر، إلا أن هذا لايلغي حقنا في نقد مانرى أنه يستثير أقلامنا ، من خلل فاضح أو خطأ واضح أو أساليب يفترض أن تقوض خيامها وترحل! ولتقريب المعنى للقارئ الكريم خذ مثلا لتتضح الصورة؛ إذا أردت أن تكبر صورة في المقرر الذي ستشرحه لطلابك فإن الكتاب ـ أي: كتاب تصميم الوسائل التعليمية ـ يرشدك لطريقة تحتاج لما يقل عن خمسين ريالاً لتستوفي متطلباتها، ناهيك عن الوقت الذي قد يربو على الساعتين في إعداد الوسيلة التعليمية، وفي النهاية تحصل على صورة مشوهة تثير الضحك في كثير من الأحيان!
آمل أن لايصمني الآخرون بقلة الذوق إن أخبرتكم أن الأستاذ عندما فرغ من إيضاح هذه الطريقة في حماس منقطع النظير، كنت ألتفت لزملائي وأبصم لهم بأصابع يدي مضافة لقدمي أني لم ولن ولاء الناهية والنافية وأخواتها وقريباتها ... أعود لأقول : لم يخطر ببالي أن أطبقها في حياتي التدريسية !! وذلك ببساطة لأن أقرب محل «خدمات طالب» يستطيع أن يكبر الصورة ملونة بأبهى حلة بأقل من ربع هذا المبلغ وبدون جهد يذكر! وقس على هذا المثال وسائل كثر لم يعد لها في واقعنا التعليمي وجود ، وربما وصمت بالتخلف إن فكرت أن تحضرها لطلابك ، والذي يثير عجبي أن بعض هذه الوسائل يمهرها المؤلف بقوله أنها تمتاز بقلة التكاليف المادية والعملية!!
وفي لقاء بيني وبين دكتور مطلع وقارئ من الدرجة الأولى في قسم المناهج ، أردت أن أستنير برأيه فقال: مازالوا يستخدمون وسائل انقرضت ، ومن المصادفات أني ـ والكلام مازال له ـ مع مجموعة من الأساتذة كنا نناقش ذات الموضوع في الأيام الماضية، وكان الإجماع على أنها وسائل موغلة في القدم ، تحتاج لتغيير جذري. ومن عجائب القدر أننا انتهينا للتو من دورة قدمها خبراء من السفارة الأمريكية بالتعاون مع كليتنا خصيصا لطلاب اللغة الإنجليزية ، وكانت على مدار أيامها الخمسة تحاول إمدادنا بأساليب حديثة - وضع مئة خط تحت كلمة حديثة - لتدريس اللغة الإنجليزية ، والحق أن معظمها يناسب تدريس كثير من المواد، ولاأظن أني بحاجة لعمل مقارنة احتراما لحضرة «السيف المكرم» الذي قال عنه الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره
إذا قيل أن السيف أمضى من العصا
بل كنت أتألم كثيرا أثنا ء ورشة التدريب» لمجرد أن تخطر فكرة وضع مقارنة بين هذا وذاك. والغريب أن بعض الأساتذة لايروق لهم أن ننتقد ونفكر بحرية، فلا تعدو عندهم مجرد جندي يجب أن ينفذ مايملى عليه دون التكلف بأخذ رأيه أو مشورته! وربما رددوا بلسان الحال أو المقال: من أنت حتى تنتقد أو تستدرك ؟ ولذا تجد لدى هؤلاء حساسية مفرطة وفوبيا من كلمة «نقد» فتقوم الدنيا ولاتقعد عندما تعبر عن رأيك الشخصي الذي تحشد فيه من الأدلة والبراهين التي لاتزيدها الأيام إلا جلاء وصفاء ، وكم تعرضت لأكثر من هجوم لم تكن خطيئتي سوى أني حاولت عرض الأشياء كما أؤمن بها بدون «بهارات» أو قلب للوقائع والحقائق ، ولأن الضربة التي لاتكسر ظهرك تقويه ، لم يزدني هذا إلا اقتناعا وثباتا أن جمعا من أعضاء هيئة التدريس يحتاجون لجرعات تثقيفية بين حين وآخر في ما استجد من العلوم والمعارف في تخصصاتهم ، ومن ثم في أدب الخلاف والحوار، وفنون الاتصال التي مازال يراها بعضهم «كلام فاضي» بينما هذا «الكلام الفاضي» أصبح يدرس كقسم مستقل في أعرق جامعات العالم، بل خذ معيداً أو محاضراً أو حتى أستاذ مشارك من جامعتنا في إحدى التخصصات، ثم ضعه بجانب زميله البريطاني في نفس التخصص من جامعة كامبريدج أو الأمريكي بنفس الدرجة من هارفارد أو الآخر من ملبورن بأستراليا..
ثم بعمل مقارنة بسيطة ستظهر لك فروق وفجوات معرفية ، آمل أن لانضطر لقياسها بالسنوات الضوئية! انجرف القلم واستطرد ، لكن ثمة سؤال أخير يحيرني، له علاقة بما نحن بصدده: إلى متى ونحن بهذه العقلية التي تنتهج «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»؟!! سؤال وإن عده البعض ساذجا سطحيا.. إلا أنه يؤرق فئاما من الناس، يحبون - والله - أن يزاحم هذا الثرى الطاهر الدول المتقدمة ويباريها، ويكون نمرا آسيويا جديدا، وليس هذا على الله بعزيز فظننا فيه بلا مدى، وأملنا فيه بلا منتهى، والأيام حبلى بالمفاجآت.
محمد حطحوط
كلية المعلمين