فد فف دقد دفبد دقذ كدشد دبد !!

هذه الطلاسم التي رأيتموها عنوان لموضوع، كانت رسالة جوال وصلتني أيام عيدٍ مضى عليّ وأنا في بريطانيا أدرس. ربما تعجبون منها أول الأمر أو حتى تتفكهون؛ لكنها أبكتني حينها حدّ النشيج واللهِ!. طلاسمٌ؛ بعث بها إلي أخي الصغير فهد الذي لديه -ولله وحده الحمدُ والأمر- ضمورٌ في نمو خلايا المخ، واعوجاجٌ في العمود الفقري، ولديه إعاقة في الكلام؛ يسمع كل شيء؛ لكنه لا يستطيع التعبير بلسانه عن أي شيء!
طلاسمٌ؛ هي في قلبي أبلغ من كل رسائل تهنئة العيد التي وصلتني آنذاك، بل هي أصدق، وأبهى، وأجمل! وإنني لستُ أدري؛ أُتراه كان يريد أن يقول: كل عامٍ وأنت بخير يا أخي؟! أو كان يود أن يسألني: متى تعود ؟! أو تُراه أحب أن أن يهمس إلي : اشتقتُ إليك؟! أو كانت ترجمتَه البريئة لكلمة : أحبك ؟! لستُ أدري، وما زلتُ لا أعلم لرسالته تلك تفسيرًا ولا تأويلاً.. كل الذي أدريه أنها قد عبثت بي وهزتني من الأعماق هزًا؛ تمامًا كما حدث يومًا فقَده أهلي فيه، فبحثوا عنه في كل مكان حتى وجدوه في زاوية من زوايا غرفته؛ هناك بعيدًا عن أعين الناس كان على استحياء يُواري بين كفيه الصغيرتين شيئًا يُنقله بين حضنه وشفتيه.. وما كان ذاك سوى صورتي التي انتزعها من حقيبة أمي. ربما لأنه افتقدني فلم يجد غير بوحٍ صامتٍ كهذا للتعبيرعن الشوق، أو ربما كان يخشى من سياط نظرات الآخرين، أو ربما كان تعاملُ أكثرنا معه ومع أمثاله قد عوّدهم على ألا يبوحوا بأشجانهم إلا في الخلوات، وربما ربما وربما! فإنها احتمالاتٌ كثيرةٍ بعدد مشاكل ذوي الاحتياجات الخاصة التي لا نتنبه إليها غالبًا، ولا نبحث عنها ولا نأبه بها!
ما زلتُ أتصور مشهد زيارة طاهر القلب فهد لي في غربتي. إذ لم يكد يخطو خطوتَه الأولى على عتبة المنزل حتى أتاني باسمًا بقطعة ملفوفة مدّها إليّ.. فتحتُها؛ فوجدتُ (محفظة نقود) صغيرة، عليها آثار تدل على استخدامها.. طالعتُه مُستفهمًا.. فالتفتَ إلى أمي يطلب منها البيان.. فقالت :
(... هذه يا بُني هدية لك من فهد.. كان قد سَمِعَنا يومًا ونحن هناك نتندر على ضياع محفظتك -كعادتك-؛ فلم يُعلق بشيء -أو بالأحرى كان عاجزًا عن التعليق بشئ- فمضى إلى محفظته.. وأخرج ما كان فيها؛ ثم جاءني بها وهو يومئ بيديه ويحرك رأسه حتى يُفهمني أن أخبئها هديةً لك.. وهاهي الآن بين يديك...)
يا لطهارة قلوبهم، ويا لقسوة قلوبنا! فإن أكثرنا يتعامى عن حقيقة أن لذوي الاحتياجات الخاصة قلوبًا تعرف معنى الحب، وتذوق مرارة الألم، وتصطلي بلهيب الشوق؛ فلنمنحهم إذن الحب.. ولنغدق عليهم الود.. ولنُحاذر المساس بكرامتهم ونحن لا نشعر. لا تشعرون.. أما أنت يا فهد؛ أعلم أنك ربما لا تستطيع قراءة كلامي هذا؛ لكني موقنٌ (أن حديث الروح للأرواح يسري).. فاعلم إذن يا أفصح الناس في عين أخيك أنني.. أحبك!