إذا كنت في كل الأمور معاتباً
أجل، ما أسهل الكلام وما أيسره حين نجاذب الأصحاب وننازعهم أطراف الحديث، وما أسرع وما أكثر أن نجعل ذلك الحديث عن أخلاقنا العالية وآرائنا السديدة وأذواقنا الراقية التي تطيل هذا الحديث وتمده إلى أمد ليس بالهين وليس بالقصير، وما أقل الصدق وما أكثر الكلفة في هذه الأحاديث الساذجة التي ندفع إليها ونجد فيها لذة ممتازة لا تجاوز ألسنتنا، ولا تقوم بنا إلى أن نعمل بما نقول ونحقق ما نبدي. بربك أيها القارئ الكريم ألست راض عن نفسك أتم الرضا، وغبط بأخلاقك أحسن الغبطة، ومعجب بعقلك أفانين العجب والقبول، وأنت تخالط أصحابك بهذا الرضا وهذه الغبطة، ولكنك لا تلتئم معهم تلاؤماً جيداً لأنهم يختلفون عنك ويتميزون منك، ولن تلتئم بهم إلا بأن تخفف من هذا الرضا عن نفسك وتقلل من هذه الغبطة بأخلاقك وإلا بأن تتشدد في القبول منها، وأن تنفي ما يحول بينك وبين الامتزاج بهم والانصهار فيهم حتى تصفو صحبتك وتخلص من القذى، لا سيما إذا كانوا سليمي الصدور بيض النيات أهلاً للمعروف والبر أيها القارئ الكريم. وما أشهى ذلك الحديث وما ألذه حين تتحرك العواطف ويهتز الهوى، ولكن الجد تافه الطعم، والدليل على هذا أنك لا تستطيع أن تحتمل من أصدقائك الخلص الأخلاء ما قد يضايقك وما قد يؤذيك من الكلام العابر البريء الذي لا يتعمدونه ولا يدققونه ساعة المزاح وساعة السمر، وأنت أيضاً لا تصارحهم بما لا تحب من الكلام الذي قد يجرح شعورك وقد يسيء إلى إحساسك، ولكنك تطويه على غيظ وتكتمه على حقد وتنتهز له الفرص، وبهذا أسرع إلينا الغضب وفشى فينا التجني وخف بيننا الشتم وجرت علينا القطيعة حتى شق العتب والاعتذار ولكنا فيها يدعي الظلم.
عبدالله بن حمد الخويطر
كلية الآداب