مفاتيح السماء
إنَّ الاستغفار من أسباب إدرار الأرزاق، وقد دلَّت على فضله نصوص الكتاب، وأحاديث سيّد الأحباب صلى الله عليه وسلم، وفيه تكفير للذنوب، وستر للعيوب، وتفريج للكروب، وإذهابٌ للهموم، ودفع للغموم؛ لأنَّ كثرة الهموم، وتوالي الأكدار سببهما شؤم الذنوب والإصرار، فجدير بأن يكون دواءَها الاستغفار، وصدق التوبة والاعتذار. وكذلك من فوائده سلامة الخلق، والعصمة في المال، وحصول الآمال، وجريان البركة في الأموال، وقرب المنزلة من الديّان، فالثوب الموَسَّخ أحوج إلى الصابون من البخور لتزول الآثار.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم:« من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همَّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب ». ( رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم ).
وعن أنس - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة ». ( رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب ).
وروى الإمام أحمد عن أنس - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم ». وفي الحديث : « إنَّ إبليس قال : وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم . فقال الله - عز وجل - : وعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني » . ( رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك، وهو صحيح بطرقه ) . وقال - سبحانه - حكايةً عن نبيه نوح - عليه السلام - : {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفَّارًا يرسلِ السَّمَاءَ عليكم مِدْرَارا ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنَّاتٍ ويجعل لكم أنهَارَا } نوح 10-12 ) . فمغفرة الله تعالى واسعة لا تضيق على المذنبين ولو ملأوا ما بين السماء والأرض ذنوبًا، فإنَّ الله تعالى يغفر لهم جميع ذلك إذا استغفروه . قال الله - تبارك وتعالى - : {وإنَّ ربَّكَ لذو مغفرة للناس على ظلمهم } الرعد 7 ) . قال بعض العلماء : هذه الآية أرجى آية في كتاب الله ؛ حيث ذكر المغفرة مع الظلم، وهو بدون التوبة تزيلها وترفعها . وقد مدح الله - جلَّ وعلا - المستغفرين بقوله : {والمستغفرين بالأسحار } آل عمران 17 ) . وقال أبو موسى - رحمه الله - : قد كان لنا أمانان : قوله تعالى :{ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم}، وقوله : {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } الأنفال 33 ) . أمَّا النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى لسبيله، وأما الاستغفار فهو كائن بيننا إلى يوم القيامة . وروي أنَّ عمر بن الخطَّاب ( استسقى يومًا فلم يزد على الاستغفار، فقالوا : ما رأيناك زدت على الاستغفار، فقال : طلبت الغيث بمفاتيح السماء، ثم قرأ قوله تعالى : {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعًا حسنا إلى أجل مسمَّى }هود 4 ) . قال الله تعالى : {والملائكةُ يسَبِّحون بحمد ربّهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إنَّ اللهَ هو الغفور الرحيم } الشورى 5 ) . فيا أسفي على مَنْ يُستغفرُ له فوق السماوات وهو غافل عن الاستغفار لنفسه والتوبة إلى الله . قال سيدنا علي رضي الله عنه : « عجبت لمن يهلك والنجاة معه »، قيل : وما هي ؟ قال : « الاستغفار ». اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات حيِّهم وميِّتهم وشاهدهم وغائبهم إنَّك تعلم مثواهم ومنقلبهم.
د. محمد بن محمود فجَّال
قسم اللغة العربية