من الوطن إلى القيادة.. شكراً
سألتني مذيعة قناة دبي العربية أثناء نشرة أخبار الثالثة ظهراً في ثاني أيام التشريق عن تقييمي لحج هذا العام والنجاحات التي تمت، فوقفت متأملاً كيف ابدأ ومن أين ابدأ هذا النجاح غير العادي والنوعي التي قامت به كافة الوزارات المسؤولة عن خدمة حجاج بيت الله الحرام بفضل من الله سبحانه وتعالى ودعاء سيدنا إبراهيم يجعل هذا البلد آمنا وأن يرزق أهله الثمرات.
بدأت حواري التلفازي بالتجربة الشخصية والآمال والطموحات التي كانت تموج بنا عبر السنوات الماضية وكيف أنني حججت لأكثر من 11 حجة في مهام رسمية وعمل مع وزارة الشؤون الإسلامية وأعمال تطوعية في خدمة ضيوف الرحمن في مجال الكشافة ودورها المدهش في خدمة التائهين من الحجاج وإرشادهم لخيامهم وخدمة الأطفال التائهين.
استعرضت شريط الذكريات في مرحلة هامة من العمل التطوعي بالحج بالإضافة إلى التربية الميدانية والعملية في كيفية إدارة الحشود وخدمة الصغير قبل الكبير والصبر والإيثار ودروس وعبر لخصها المولى عز وجل من فوق سبع سموات قبل آلاف السنين في آيات كريمات هدفها الأساسي هو أن يأتي الحجاج ليشهدوا منافع لهم وليطوفوا بالبيت العتيق، وتعلمنا أن كل ما تعلمناه في هذه الشعيرة هو جزء من هذه المنافع. وأردفتها أيضاً بحقائق وأرقام عن نجاح هذا العام بشكل نوعي ومتميز، ولم تكتفي المذيعة مشكورة بذلك، بل طلبت أن نزود المشاهد الكريم بمزيد من المعلومات عن جهود المملكة العربية السعودية في خدمة الحجيج، وكأنها هنا تطلب مني أن ألخص للمشاهد الكريم جهد عام كامل من العمل المضني للدولة - حماها الله- في كبسولة مضغوطة لا تتعدى الستين ثانية، وأصدقكم القول بأنني كنت محتاراً من أين أبدأ وكيف أبدأ؟ فكمية المعلومات التي أعددتها في تلك العجالة يمكن أن تكون كتاباً- مرئياً- للمشاهد العزيز في ستين ساعة.
إن الشيء الملفت للانتباه في أعمال حج هذا العام 1428هـ هو أنك أمام خطة إستراتيجية محكمة عصرت الكثير من خبرات أعمال الحج خلال السنوات الماضية، هذه الخطة لم تكن ناجحة لو لا فضل من الله ثم حسن تنفيذها وتسييرها ومتابعتها وإدارتها من قبل العاملين بالحج، الشيء الملفت الآخر هو تكامل الجهود بين قطاعات الأمن العام والصحة والهلال الأحمر ولعلها ليست المرة الأولى التي تشاهد فيه اللواء منصور التركي من الأمن العام مع الدكتور خالد المرغلاني من وزارة الصحة يتحدثون في مؤتمر صحفي واحد. الشيء الملفت أيضاًَ أن كمية المعلومات اليومية التي كانت تصل للإعلام كانت دقيقة إلى حد بعيد من حيث عدد السيارات والحجاج الداخلين إلى منى أيام التشريق ويوم عرفة وهكذا، بل من المعلومات التي ينتبه إليها القارئ والمشاهد العزيز هو عدد المرضى والأسرة والمراجعين في كافة الدوائر الأمنية والصحية والعلمية والإرشادية بل وحتى القضائية، والطريف أيضاً توفر إحصائية بعدد النشالين والمخالفين لأنظمة الحج، وإن كان هذا الموضوع ليس طريفاً ويحتاج إلى حلول جذرية تحدث عنها مشكوراً وبإسهام اللواء يوسف مطر قائد أمن الحرم المكي الشريف. الشيء الملفت أيضاً هو أن الإعلام المكتوب والمرئي بل وحتى الإنترنت كان يتابع هذه الإنجازات خطوة بخطوة ويمدها للمستهلك النهائي وهو المشاهد والقارئ بشكل مهني رفيع، ولا أخفي أيضاً إعجابي بالتغطية النوعية للتلفزيون السعودي بكافة قنواته العربية والإنجليزية وإذاعاته الإنجليزية والفرنسية والأردية وغيرها من البرامج باللغات المختلفة.
إنني أعتقد أن التسهيلات التي وفرتها وزارة الإعلام للقنوات الفضائية العربية والدولية الإسلامية وغير الإسلامية ساهمت في التعريف بالشعيرة الخامسة لهذا الدين العظيم لكل بقاع العالم، فنجد أن القنوات في شرق آسيا اليابانية والكورية والفلبينية وغيرها في آسيا، ودول آسيا الوسطى كان تشرح للناس عن هذه الشعيرة ونقلت بالصوت والصورة مشاهد من يوم عرفة العظيم لأن هذه الشعيرة كانت على مر التاريخ أنموذجاً للتلاحم والتضامن والتقابل في مكان واحد وفي زمن واحد حيث أصبحت مفردة - الحج- نفسها تستخدم في مناسبات مختلفة دولية وإن كانت معانيها مختلفة، ولكنها تدل على تجمع أكبر كمية ممكنة من البشر في مكان واحد.
والطريف أيضاً في حج هذا العام خبر صغير تناوله الدكتور ناصر الخليفي مشرف مخيم الأطفال التائهين عن أن أصغر طفل تائه في الحج كان عمره ثلاث سنوات! ولعل القارئ الكريم يستغرب كيف يتوه طفل في هذا العمر، ولعلي أذكر هنا في إحدى السنوات التي تطوعت فيها في مخيم الأطفال التائهين عن وصول طفلة عمرها سنتان كانت تائهة عن أهلها وهي في الواقع ليست تائهة ولكن تاهت مع جدها عن والديها وأحضرها لكي تقوم الدولة - حماها الله- متمثلة في الكشافة في إرضاعها وتغذيتها من خلال الممرضات المخصصات لمثل هذه الحالات، وكيف أن وزير الحج في تلك الفترة كان مهتماً جداً بإيصالها لذويها. وهذا في الواقع يقودنا إلى تبيان دور الكشافة المبارك الذي تقوم به سنوياً وخاصة أن هناك أكثر من ثلاثة ألف كشاف قاموا بخدمة وإرشاد الحجاج التائهين، هذا غير كشافي وجوالي الرئاسة العامة لرعاية الشباب والجامعات، حيث إن من الملاحظ في هذا العام بأنهم يستخدمون ولأول مرة هذا العام كثيراً من التقنيات الحديثة في الوصول مع الحاج إلى خيمته أو سكنه الذي يخرج منه ولا يعرف كيف يعود لتشابه الخيام عليه داخل المشاعر.
ولعل القارئ الكريم لا يعرف أن وزارة التربية والتعليم والرئاسة العامة لرعاية الشباب من خلال الكشافة والجوالة المتطوعين يقومون بأعمال كبيرة في وضع ترقيم خاص بهم للمشاعر المقدسة في منى وعرفات لمعرفة أماكن المطوفين وأصحاب مؤسسات الحج في الداخل وفي الخارج، حيث يتميز هذا الترقيم أنه - يحدث- بشكل يومي بل في كل ساعة حتى الساعات الأخيرة من اليوم الثامن لتثبيت أسماء مؤسسات الطوافة وأرقام قطعهم وجنسيات حجاجهم..إلخ.
د. عبدالعزيز تركستاني
كلية المجتمع بمحافظة حريملاء