صاحب «عظماء بلا مدارس» الطالب عبدالله الجمعة لـ«رسالة الجامعة»:
الوصول إلى القمة يستوجب السير طويلاً في القاع
الإبداع يكمن في النفس لكنه بحاجة لتفجيره

عبدالله بن صالح الجمعة يعد أحد الشباب الواعدين الذين يعول عليهم كثيراً في النهوض بأعباء الثقافة والفكر في مجتمع لايزال يحث الخطى نحو التقدم والازدهار، عبر هذا الحوار نسلط الضوء على إنتاجه الإبداعي ومنهاج حياته الفكرية مع التركيز على أبرز الهوايات التي لا ينفك عن ممارستها بالإضافة إلى العديد من المحاور التي يدور بعضها حول المصاعب والمعوقات التي تصطدم بها مسيرة حياته على المستوى الشخصي والإبداعي وأهمية دور المجتمع في دفع عجلة التطور في أوساط الشباب خصوصاً ذوي المهارات والقدرات الإبداعية منهم، فإلى ضوابط الحوار.
* بداية، هل لك أن تعطينا نبذة صغيرة عن عبدالله الجمعة؟
- من مواليد الرياض، طالب في المستوى السادس في قسم الأنظمة في كلية الأنظمة والعلوم السياسية في جامعة الملك سعود.
* ماذا يعني تكريم معالي مدير الجامعة لك؟ وكيف تلقيت نبأ فوزك بميدالية الجامعة والجائزة؟
- يعني لي الكثير، خاصة إذا كان صادراً من معالي المدير الوالد د.عبدالله العثمان - حفظه الله - ما يدل على أن الفكرة الواعية والموفقة التي ينتهجها معاليه ومسؤولوا الجامعة المتمثلة في أن بناء الطالب معرفياً وإبداعياً هو السبيل الأكيد؛ لتحقيق ريادة الجامعة عالمياً، لذلك فهذا التكريم لا يقتصر علي فحسب، بل شمل كافة طلاب وطالبات الجامعة.
وأما فوزي بالميدالية والجائزة فقد كان مفاجأة حقيقية لي خاصة أن معالي المدير نفسه هو من بشرني بذلك عندما التقيت به، فلم يكن ذلك مستغرباً، والشكر لله أولاً ثم لمعالي المدير ومدير مكتبه المستشار د.محمد الحارثي لجهوده المقررة.
* حدثنا عن فكرة كتابيك؟
- هما عبارة عن إعداد أكثر من كونهما مؤلفين، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية والخطيب البغدادي عدا جمع المشتت وتنسيقه ضرب من ضروب التأليف، أما عن الفكرة، فمن المتعذر - عادة - أن يؤلف الإنسان كتاباً وهو لم يقرأ أي كتاب، فالقراءة ثقافة والثقافة تؤدي إلى الفكر، فعندما يصل الإنسان لهذه المرحلة يتحرر من قيود تفكير الآخرين وتتولد لديه أفكار جديدة في فهم الحياة وإدراك غموضها وأسرارها، وهو الهدف الحقيقي للقراءة، فالثقافة وسيلة وليست غاية، فعندما يصل الإنسان لمستوى معين في الفكر يكون - برأيي - أهلاً للتأليف. أما فكرة كتاب (عظماء بلا مدارس) فتتمثل في تسليط الضوء على كثير من من العظماء الذين لم يتموا تعليمهم الرسمي ولم يمنعهم ذلك من خوض غمار الحياة والإبداع، فرأيت جمع سير بعضهم في كتاب مستقل.
أما كتاب (أيتام غيروا مجرى التاريخ) فلقد زرت داراً للأيتام في الرياض فساءني فقر المكتبة ولم أجد كتاباً يتناول موضوع الأيتام فتوكلت على الله وشرعت في إعداد الكتاب، وقد تبرعت بنصيبي من أرباحه لدعم جميعة الأيتام.
* ما قصتك مع القراءة؟
- تعلمت القراءة وأنا دون الثالثة من عمري ولله الحمد، ودخلت الروضة وأنا في الثالثة مما أعطاني فرصة لتطوير مهارات القراءة لديّ في عمر مبكر.
* هل كانت لديك محاولات للكتابة قبل التأليف؟
- نعم، فلدي كتابان مخطوطان، كتبت الأول وأنا في الحادية عشرة والآخر عبارة عن قصة خيال علمي كتبتها وأنا في سن الثانية عشرة، ونشرتهما - بالتصوير العادي - على نطاق عائلي ضيق.
* هل كان لأهلك، ووالديك خاصة، دور في تحفيزك لتأليف الكتب؟
- بالتأكيد، فمنذ صغري ووالدي - يحفظهما الله - خصصا لي (حساباً مفتوحاً) لشراء الكتب أيا كان سعرها، فضلاً عن تشجيعهما الدائم لي، فهما من ربياني في بيئة صالحة تشجع على القراءة وتحترم العلم وتقدر المعرفة.
* هل واجهتك عقبات أثناء التأليف؟
- بالتأكيد، فالنجاح - بطبيعته - يصطدم ببعض العقبات.
* كم استغرق تأليف الكتابين؟
- سنتين لـ(عظماء بلا مدارس)، أما (أيتام غيروا مجرى التاريخ) فقد رأى النور بعده بنحو أربعة أشهر.
* (عظماء بلا مدارس) عنوان يلمح إلى تشجيع الخروج من المدرسة، هل تعمدت ذلك؟
- تعمدت التلميح لا التطبيق، فكتابي هذا ليس دعوة للخروج من المدرسة، بل هو دعوة إلى الخروج من النظام التعليمي الذي يعتمد على التلقين.
* كيف كان قبول الناس للكتابين؟
- الحمدلله، كتاب (عظماء بلا مدارس) حقق رقماً كبيراً في المبيعات ونفدت منه عدة طبعات، واحتل المركز الثامن بين أكثر الكتب مبيعاً لدى الناشر، وتناولته عشرات الصحف والمجلات ومنتديات الإنترنت والمدونات، ووصلتني الكثير من الرسائل عبر بريدي الإلكتروني تثني عليه وتبدي إعجابها وتؤكد أن بعضهم تغيرت حياتهم نحو الأفضل بسببه، كما نورتني بنقد مفيد. وقد نفد الكتاب بعد عدة أشهر من صدوره ونعمل الآن على إصدار الطبعة الثانية منه إن شاء الله. أما (أيتام غيروا مجرى التاريخ)، فقد حظي هو الآخر بالاهتمام والإعجاب، وإن كان أقل بكثير من الأول، خاصة أن فصلاً مهماً من الكتاب سقط سهواً في الطباعة مما أخل فيه بشكل واضح.
* برأيك هل المجتمع يحفز المبدعين خاصة الشباب منهم؟
- النفس البشرية كالأرض الخصبة، تنتظر المطر لتؤتي ثمارها، فالإبداع يكمن في جوهر النفس البشرية ما دام صاحبها عاقلاً، لكنه قد يحتاج لمن يستحثه، والقارئ للتاريخ يرى ذلك واضحاً كالشمس، فالحروب - مثلاً - تحفز طاقات المبدعين بشدة لأنها تحض عقولهم الباطنة على استخراج الإبداعات الكامنة فيهم، فالحرب العالمية الأولى - مثلاً - بدأت بالخيول والبنادق البدائية وانتهت بالطائرات والدبابات المدرعة، وذلك في ظرف 4 سنوات فقط، فالإحساس بالخطر الذي انتاب مبدعي الدول المتحاربة حفز طاقاتهم الإبداعية وأخرجها إلى الوجود.
وهذا بالضبط ما يحتاجه الشباب، لا أقصد الحرب بطبيعة الحال!، ولكن مجرد وجود الإحساس الحقيقي بخلل الواقع الحضاري الذي يعيشونه وإيمانهم بأهمية رجوع الأمة الإسلامية كأقوى الأمم علماً وعملاً يحفز إبداعاتهم الكامنة التي تفوق في مخزونها مخزون النفط في بلادنا وتزيد قيمتها عن قيمته بأضعاف مضاعفة، فمثلاً ما الموارد الطبيعية التي تقوم عليها اليابان؟ لا شيء تقريباً، فقط عقول مبدعيها.
* هل تقصد بأن المجتمع يقع على عاتقه مسؤولية تشجيع الشباب؟
- المجتمع والدولة يقع عليهما عبء كبير في هذا الشأن، لكن العبء الحقيقي يقع على الإنسان نفسه؛ لأن الناجح يخلق الفرصة ولا ينتظرها، خاصة في مجتمع لا يتحمس كثيراً للأفكار الإبداعية كمجتمعنا، بل على العكس عندما ينمو الإبداع في بيئة تحاربه، يكون أقوى من الإبداع الذي ينمو في بيئة تشجعه؛ لأنه لولا قوة الأول لما نما أصلاً في البيئة التي تحاربه. لذلك الإبداع الذي يكون نتيجة الشدائد والمصائب هو سيد الإبداعات، فالشدائد مصنع العظماء، والمصيبة - كما يقول نابليون - هي القابلة التي تلد العبقرية.
* نصيحتك للشباب في هذا الشأن؟
- (اختر هدفاً سامياً واسع إليه)، شريطة ألا يكون محرماً أو يسبب ضرراً حقيقياً للآخرين. ولا تنتظر موافقة الناس على ذلك ولا تقبل نقدهم الهدام، وعندما تقرأ سير العظماء، أي عظيم، ستدرك أن بدايته كانت شاقة ومجهدة، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة في ذلك، فهو - مع كونه نبياً مرسلاً - لم يسلم من أذى المشركين واستهزائهم. وصدقني ستجد نتاج ما زرعت عاجلاً أو آجلاً، حتى لو لم تجده في الدنيا فستجده عند الله في الآخرة.
* هل لديك هوايات أخرى غير القراءة والكتابة؟
- أحب جمع القطع التراثية، كالعملات، فلديّ مجموعة من العملات تتجاوز 1200 عملة معدنية وورقية تغطي كافة قارات العالم وتغطي فترة زمنية تمتد - تقريباً - من سنة 200 للميلاد حتى اليوم.