كنت في الجامعة... الآثار والمتاحف تستحق أن تكون معهداً..
النهضة السياحية المقبلة على المملكة تستوجب إضافة تخصصات جديدة على الكلية
|
 |
|
أ. د. سعد بن عبدالعزيز الراشد |
أ. د. سعد بن عبدالعزيز الراشد يعد من ألمع رجالات الوطن الذين تخرجوا من صرح جامعة الملك سعود العريقة.. بدأ فيها طالباً فصار معيداً ثم دكتورا حتى أصبح عميداً لشؤون المكتبات، وفي نهاية عام 1416هـ كلف للعمل وكيلاً لوزارة التربية والتعليم للآثار والمتاحف حتى تقاعد. وكان هذا الحوار معه حيث تطرق للعديد من المواقف والذكريات التي مر بها في حياته الجامعية، وأطلعنا كذلك على آماله وتطلعاته لجامعة الملك سعود بشكل عام وكلية الآثار والمتاحف بشكل خاص.. فإلى الحوار..
] ما أهم ما تذكره عن الجامعة؟
- بعد حصولي على الثانوية من مدرسة الشاطئ الثانوية بجدة، التحقت بكلية الآداب، جامعة الملك سعود (جامعة الرياض في ذلك الوقت) في العام الدراسي 1385-1386هـ (1965-1966م)، وكانت كلية الآداب في مبنى صغير من دورين له بلكونات داخلية تطل على حديقة صغيرة في وسط المبنى، وكان المبنى مشتركاً مع كلية التجارة وبعدها بعام انتقلت كلية التجارة إلى مبنى آخر في حي عليشة غرب الرياض، وبقيت كلية الآداب في ذلك المبنى طوال فترة دراستي الجامعية وعلمي فيها معيداً وحتى انتقال الجامعة إلى مقرها الجديد في الدرعية.
ولقد كنا محظوظين بالنسبة لقلة عدد الطلاب الذين يدرسون حسب اختيارهم وقدراتهم في أربعة أقسام فقط وهي: اللغة العربية، اللغة الإنجليزية، الجغرافيا، التاريخ، ويسبق التخصص سنة تحضيرية. وأتذكر أن عددنا في السنة الجامعية كان حوالي مائة طالب، وندرس مواد متعددة من خلالها يتقرر التخصص.
بعد السنة الأولى اخترت قسم التاريخ ومن خلال دراستي في التاريخ تحولت نظرتي لدراسة الآثار لمرحلة ما بعد البكالوريوس وتحقق حلمي ولله الحمد.
أثناء دراستي في جامعة الرياض وجدت متعة حقيقية للمشاركة في الأنشطة الجامعية وخصوصاً الرحلات وكان أوائل الأساتذة السعوديين خير معين لنا وكانوا يشاركوننا متعة النشاط الرياضي والاجتماعي والثقافي.
وتأسست في كلية الآداب جمعية التاريخ والآثار وكان وراء فكرتها وتنفيذها الدكتور عبدالرحمن الطيب الأنصاري وشد من أزر هذه الجمعية الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الخويطر وكيل الجامعة آنذاك. وكان من حسن حظي في هذه الجمعية أني رشحت من طلاب الجامعة ممثلاً لهم، فكانت متعة ما بعدها متعة.
وهناك ذكريات جميلة، فعند بداية تقديم أوراقي لكلية الآداب، سألت أحد القدماء من الطلاب: هل هناك عقاب في الجامعة؟ فأجابني بأن الضرب بالعصا غير موجود في الجامعة ولكن هناك عقاب أشد!! فتغيرت ملامح وجهي بشكل جعلني أتردد في تقديم أوراقي للتسجيل ولكن ذلك الصديق الماكر سرعان ما بدد مخاوفي وأعاد الطمأنينة إلى نفسي. طبعاً كان العقاب بالعصا في جميع المراحل الدراسية شائعاً وأحياناً ينال العقاب بالعصا حتى الأبرياء بسبب فتنة الطلاب على بعضهم وأحياناً غيرة من الطلاب البلداء أو المشاكسين.
وأتذكر أنه في السنة التي التحقت فيها بالجامعة كان سكن الطلاب قد ألغي ولم يكن يصرف بدل سكن، وكانت المهمة صعبة للعازبين أن يحصلوا على سكن إلا بجهد جهيد، وعندما وجدت أنا وزملائي وكنا أربعة فقط، أن المالك يطلب تسديد نصف مبلغ الأجرة مقدماً دون تأخير أو نقصان فما كان منا إلا استئجار سيارة وذهبنا في ليلة جمعة نبحث عن منزل الدكتور الخويطر بالقرب من حديقة الحيوان في الملز، وطرقنا الباب بشيء من الاستعجال، وخرج لنا الدكتور الخويطر مستفسراً وسلمناه خطاباً نطلب منه سلفة يستقطعها من مكافأة الجامعة! قرأ الخويطر الطلب ولاحظنا أنه يتمعن الأخطاء الإملائية ومن ثم قال لنا: إن الليلة إجازة وصندوق الجامعة ليس في بيته وعلينا مراجعته بمكتبه لينظر في الأمر. كانت ردود أفعالنا متضاربة، فالخويطر (أطال الله في عمره) كانت له هيبة وكانت لدينا فكرة مسبقة عنه فيها الكثير من التشويش بأنه يميل إلى تعقيد الأمور إلى آخر القصص التي يحلو للبعض ترديدها. المهم لم نذهب للخويطر في مكتبه ودبرنا من الأهل والأصدقاء ما أعاننا على دفع أجرة السكن.
] من هم الأساتذة الذين تركوا بصمات على شخصيتك؟
- هناك أساتذة كثر تتلمذت على يديهم في علم التاريخ والجغرافيا واللغة العربية والاجتماع واللغة الإنجليزية ومن هؤلاء الأستاذ الدكتور عزة النص (عميد كلية الآداب سابقاً)، والأستاذ الدكتور عبدالعزيز صالح (رئيس قسم التاريخ)، والدكتور خالد الجادر والدكتور عبدالأمير محمد أمين، والأستاذ الدكتور صبحي أنور رشيد، والأستاذ الدكتور شاكر خصباك وغيرهم. ولا شك أن مجموعة الأساتذة كانوا من أقطار عربية عديدة وتخرجوا من مدارس عالمية وأعني بذلك الجامعات التي لها وزن في كل تخصص وأعتقد أنهم كانوا مكسباً للعلم وطلابه ولم يبخلوا علينا بعلمهم وتجاربهم البحثية بالرغم من محدودية مصادر المعلومات سواء في مكتبة الكلية أو في المكتبات التجارية. وقد أعجبني في مرحلة البكالوريوس ذلك الإنسجام والاحترام بين أوائل العائدين بدرجة الدكتوراه من السعوديين مع الأساتذة الأعلام من عالمنا العربي.
ولا أكاد أغالي إذا قلت إن من بين هؤلاء الأساتذة الذين تركوا أثراً في نفسي وأصبحنا أنا وهو شخصيتين متلازمتين هو الأستاذ الدكتور الأنصاري، فقد لازمته تلميذاً في مرحلة البكالوريوس وبعدها عندما أصبحت معيداً في قسم التاريخ وكان يتابعني عن كثب خلال بعثتي لدراسة الدكتوراه حتى أصبحت زميلاً له في جامعة الملك سعود وشاركت معه تأسيس قسم الآثار والمتاحف وتحملنا سوياً هموم القسم وطلابه وأساتذته والنشاطات العلمية والبحثية وبناء كادر وطني من أبنائنا الطلاب هم اليوم يحملون المسؤولية ويأخذون بزمام الآثار في بلادنا، ولا شك أن الدكتور الأنصاري يعد رمزاً من رموز الآثار ليس على مستوى الوطن بل في عموم العالم العربي.
] من أشهر زملائك في الدراسة وأين هم الآن؟
- بالنسبة لزملاء الدراسة، فكل طلاب كلية الآداب هم زملاء وكان الجو العام في الجامعة والأنشطة المتنوعة تجمعنا، أما مجموعتي في التاريخ فقد زاملت صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز وسمو الأمير عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالرحمن وهناك زملاء آخرون من تخصصات منهم الأستاذ الدكتور يحيى بن جنيد والأستاذ صالح عبدالهادي والأستاذ الدكتور محمد سعيد إسماعيل، وهناك زملاء عديدون من المجموعات السابقة لنا واللاحقة منهم الأستاذ الدكتور صالح العمرو، والأستاذ الدكتور عبدالله الزيدان والأستاذ الدكتور عبدالله السيف والأستاذ الدكتور يحيى أبو الخير والأستاذ الدكتور أحمد عبدالغفور زوزي والأستاذ أحمد الشنبري، وهناك زملاء أعزاء جمعتنا بهم الجامعة وأصبحنا مثل الإخوة وأقوى وأذكر منهم الأستاذ الدكتور أحمد بن عمر الزيعلي والأستاذ الدكتور عبدالله بن آدم نصيف.
] كيف تقيم تجربتك الدراسية في ذلك الحين؟
- لا شك أن تجربتي الدراسية في مرحلة البكالوريوس كانت ثرية وشكلت طريقي نحو المستقبل، فقد تولد لدي إحساس قوي لإكمال مشواري العلمي وقد كتب الله لي أن أرشح معيداً في قسم التاريخ وابتعثت إلى بريطانيا للتحضير لدرجة الدكتوراه في الآثار الإسلامية ، وأحمد الله أني أسهمت في خدمة تراث أمتي وحضارتها وهو عمل أفتخر به وسأظل كذلك ما حييت.
] ما الموقف الطريف الذي حدث لك في الجامعة؟
- من المواقف الطريفة والتي لم أتوقعها حدثت في السنة الأخيرة من مرحلة البكالوريوس عندما طلبت مني الجامعة مطابقة اسمي في حفيظة النفوس مع الاستمارة النهائية للتخرج وذلك على غرار الاستمارات التي تعبأ في ختام كل مرحلة دراسية، المشكلة التي كادت تعطل دراستي هو أن اسمي في حفيظة النفوس كتب ثلاثياً (سعد بن عبدالعزيز الناصر) وفي شهادة الثانوية العامة كتب رباعياً (سعد بن عبدالعزيز الناصر الراشد) فكان أمامي خياران إما أن ألغي اسم (الراشد) من شهادة الثانوية وهو أعز اسم عندي لأنه اسم جدي الكبير وحامل شجرة العائلة في حريملاء، موطن الآباء والأجداد أو أبقي على الاسم الثلاثي كما هو في حفيظة النفوس وفي كلا الحالتين فالأمر يحتاج إلى جهود ومراجعات لعدد من الدوائر والأجهزة الحكومية. وبسبب هذا الخطأ من إدارة الجوازات في جدة كان علي أن أذهب إلى إدارة تحقيق الشخصية وذهب والدي إلى المحكمة الشرعية الكبرى في مكة المكرمة ومعه أبناء عمومته ليشهدوا أن (سعد بن عبدالعزيز الناصر) الذي يدرس في جامعة الرياض هو نفسه الذي يحمل لقب (الراشد) وبعد أن حملت صك المحكمة للجهات المختصة وإضافة (الراشد) إلى حفيظة النفوس تمكنت من إكمال المعلومات المطلوبة مني ولعل هذه التجربة خاضها آخرون وبعضهم لم يستدركوا تلك الأخطاء فأصبحت العائلة الواحدة عائلتين، بل إن بعض الأخوة ينتهي لقبه مختلفاً عن إخوانه وأعتقد أن ضبط الأحوال الشخصية بالنسبة للأجيال الحاضرة لا تظهر فيه مثل هذه الأخطاء التي حدثت لي وهي تجربة لا أكاد أنساها.

] هل تتواصل حالياً مع الجامعة؟
- أنا كنت في الجامعة طالباً ثم معيداً وعدت إليها محاضراً ثم أستاذاً مساعداً وبعدها أستاذاً مشاركاً ثم أستاذاً وكلفت وكيلاً لكلية الآداب وعميداً لشؤون المكتبات والمعلومات وشاركت في كثير من اللجان العلمية والإدارية وكانت الجامعة هي مكاني المفضل.. وفي نهاية عام 1416هـ كلفت للعمل وكيلاً لوزارة التربية والتعليم للآثار والمتاحف حتى تقاعدت وظيفياً قبل عامين، وكنت ولا أزال أعتقد أن التواصل مع الجامعة مهم للغاية، ويسعدني أن يظل ارتباطي بالجامعة قائماً ويشرفني تقديم ما أستطيع في مجال خبرتي في الجامعة وفي تخصصي الذي أعتز به.
] كيف ترى الجامعة في ظل البرامج التطويرية؟
- أعتقد أن نظرة خادم الحرمين الشريفين للرقي بالتعليم الجامعي جاءت في وقتها بعد أن شهدت الجامعات في بلادنا شيئاً من الركود وتسرب الكوادر المؤهلة ونقص في سد الفراغات في التخصصات وتدني الخدمات وتقييد الإبتعاث، وأصبحت جامعاتنا في ذيل قائمة التصنيف العالمي، وبلادنا تمر اليوم بمرحلة تطويرية في التعليم العالي وهناك توسع في تأسيس جامعات جديدة حكومية وأهلية وتوسع في التعليم الفني والتقني كل هذا سيكون له أثره وتأثيره على المرحلة المقبلة التي تشهدها البلاد، وأتوقع أن كل جامعة لا بد أن يكون لها ميزة عن الجامعات الأخرى وألا تكون نسخة كربونية في مخرجات التعليم والتركيز على الكيف لا الكم وحاجة سوق العمل وأتوقع أن يكون هناك تنافس بين الجامعات وتقييم مستمر واستثمار دقيق للوقت للعاملين في الجامعات والطلاب على حد سواء شريطة تهيئة المناخ الملائم لأستاذ الجامعة على عكس المتاعب التي واجهها الرعيل الأول من أساتذة الجامعات، الذين عايشوا ظروفاً صعبة في الجمع بين تأدية واجباتهم الأكاديمية ومواجهة ظروف الحياة.
] ما أهم التغيرات التي حدثت في المجتمع السعودي وكان لها الأثر الكبير على مسيرة التعليم في المملكة؟
- التعليم العام في المملكة العربية السعودية مشرف، مهما كثرت الانتقادات على المنهج والمعلم والمبنى المدرسي ومصادر التعلم، كما أن التعليم الجامعي المدني والعسكري تطور وكان له أثر كبير في مواكبة الطفرة التي شهدتها المملكة في السنوات الماضية ولعل النهضة التنموية التي تمت في المملكة خلال ما يقارب خمسة وعشرين عاماً غيرت أشياء كثيرة في المجتمع السعودي في مجملها أشياء إيجابية وأمامنا وقت للتقليل من السلبيات والجيل الجديد لديه الحل إن شاء الله.
] برأيك ما الأثر الذي سيتركه تحويل قسم الآثار والمتاحف إلى كلية قائمة بحد ذاتها؟
- كان قسم الآثار والمتاحف بجامعة الملك سعود من أقوى الأقسام علماً وإنتاجاً، وكان فيه خيرة العلماء المتخصصون في الآثار والحضارة والتاريخ القديم، وقدم القسم من خلال منسوبيه أبحاثاً مميزة، وأسهم مبتعثو القسم في عدد من الجامعات العريقة في إثراء المعرفة بآثار المملكة من خلال رسائلهم العلمية التي كتبوها في مواضيع متعددة في الآثار والكتابات والنقوش والفنون والعمارة والحرف والصناعات وغيرها، ومر القسم بمرحلة من التقويم من قبل جامعات مشهورة أعطته قوة للنهوض بالدراسات العليا للماجستير والدكتوراه وكان فيه أربع مسارات تخصصية وبذلك الوضع كان القسم يستحق أن يتحول إلى معهد للآثار على غرار معاهد مشهورة في أوروبا وأمريكا. لكن للأسف تعثرت مسيرة القسم بسبب عدم وضوح الرؤية لدى المسؤولين في الجامعة، وجاء تحويل القسم إلى كلية للسياحة والآثار بتشجيع ودعم من سمو الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز الأمين العام للهيئة العليا للسياحة، فالمملكة مقبلة على نهضة سياحية تعزز الاقتصاد الوطني وتفتح مجالاً أرحب للتوظيف، ومع قناعتي بهذا التوجه إلا أني كنت أتمنى أن يتطور القسم بنفس الوتيرة التي كان عليها مع إضافة تخصصات جديدة تخدم السياحة، والمملكة قارة وتشتمل أرضها على مخزون تراثي غزير يحتاج إلى متخصصين مهرة ومختبرات وفنيين ومتحفيين على درجة كبيرة من التدريب.
] ثلاث رسائل توجهها للجامعة، لمن وما هي؟
- ثلاث رسائل قصيرة أوجهها مجتمعة لمعالي مدير الجامعة:
الأولى: تهنئة معاليه على الخطوات الجديدة التي اتخذها للنهوض بالجامعة ونتطلع إلى نقلة نوعية تعيد للجامعة مكانتها على الصعيد المحلي والقاري والدولي ولن يتم ذلك إلا بتحفيز الهمم ورفع معنويات كل مسؤول بالجامعة.
الثانية: المحافظة على موروث الجامعة وحفظ تاريخها منذ تأسيسها وحتى اليوم وحفظ وثائق الجامعة ومناشطها المختلفة، فذلك كله سيبقى رصيداً لتاريخ هذه الجامعة.
الثالثة: إعطاء النشاط الثقافي والاجتماعي والرياضي مجالاً أرحب لطلاب الجامعة، فهذه الجامعة التي خرجت المواهب لا يوجد فيها مرافق رياضية مؤهلة وليس فيها مجمع رياضي يليق بها كما أن مسرح الجامعة افتقد بريقه.