الانتقال إلى البحث
  English
تسجيل الدخول |
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

 

 

مهنة إنسانية.. وأخلاق من ذهب

ثقافة المجتمع.. هل تحبط انخراط السعوديات في التمريض؟

نظرة المجتمع  لم تتغير حول مهنة التمريض رغم تنامي الوعي

نقص مقومات العمل واللغة الإنجليزية أبرز المعوقات

الصحابية «رفيدة الأسلمية» أول الممارسات للتمريض منذ فجر الإسلام

على الرغم من التطورات المتلاحقة التي طالت مفاهيم المجتمع تجاه عدد من القضايا إلا أن مهنة التمريض الأكثر إنسانية لا يزال المجتمع يرفضها لأسباب عديدة تختلف من شخص إلى آخر طبقاً لأفكاره وتوجهاته في هذه الحياة وقد تنامت أخيراً ظاهرة الرفض الشعبي لهذه المهنة الرفيعة، الأمر الذي حدا بنا إلى إجراء هذا التحقيق لإجلاء القضية بجوانبها المختلفة.

وقبل الدخول في التفاصيل نستهل تحقيقنا بهذه القصة: تزوج رجل من ممرضة وكان يعيب عليها تأخرها في العمل والدوام.. كان يتحمل ذلك ولكنه لم يكن يتحمل أبداً أن تستقطع من وقتها الخاص لمساعدة الآخرين من الجيران أو من العابرين..

يوماً ما أثناء تنزهما كانا يسيران معاً في حين وقع فجأة رجل مسن وسمعا صراخاً: «أبي.. إنه يموت.. أنقذوني».. أفلتت الزوجة الممرضة يدها من قبضة زوجها لتهرع لإنقاذ العجوز الذي يبدو أنه أصيب بعوارض جلطة قلبية إلا أن زوجها أعادها بقوة قائلاً: الرجل يمكن أن ينقذه غيرك أو يأتيه الإسعاف في أي لحظة.. وإن أصررت على إفساد وقتنا الآن فاعتبري أن علاقتنا قد انتهت!!.

نظرت إليه بعتب قوي لكنها لم تكن تعي من العالم إلا شيئاً واحداً في هذه اللحظة هو أن رجلاً سيموت وأنها قادرة على إنقاذه فأسرعت بلا التفات وأجرت الإسعافات الأولية التي أنقذت المريض، ثم ساعدته على القيام والوصول مع ابنه لسيارة الإسعاف التي كانت قد وصلت للتو..

ما حدث بعد ذلك أنه بعد خمس سنوات اتصل الرجل بزوجته السابقة الممرضة وأخبرها بأنه نادمٌ على فراقها أشد الندم ويرجوها الموافقة على العودة وإصلاح ما فات. سألته: لماذا الآن؟ ردَّ وهو يبكي: كنت أسير مع أبي فسقط من عوارض جلطة ثم مات.. ولم يكن بجانبي أحد كي ينقذه!!

أجل ها هو أحد أفراد المجتمع ينقلب موقفه من الممرضات ومهنة التمريض رأساً على عقب ويتحول من ضفة المعارضين إلى ضفة الراضين المؤيدين الداعمين.. لكن ماذا عن بقية أفراد المجتمع الذين كانوا ولا يزالون يقفون من مهنة التمريض موقفاً سلبياً منذ بداية الطفرة الاقتصادية ويعيبون على الفتاة السعودية الانخراط في هذا المجال الإنساني النبيل مما أدى إلى ابتعاد المواطنات عن دراسة هذه المهنة وتوجههن بشكل مفرط إلى مهنة التدريس.. فما هي الأسباب والحجج التي أدت إلى تفشي هذا الموقف السلبي من العمل في مجال التمريض؟!

معاني إنسانية سامية

من هذا المنطلق وبهذا السؤال ابتدأنا حديثنا مع الطالبة الطموحة «ر.س الغامدي» والتي راحت تشرح لنا بدايتها مع المهنة الإنسانية بقولها: إن مهنة التمريض عالم من المعاني الإنسانية السامية فهي مهنة شرعية وإنسانية وصحية وتعليمية وأخلاقية، وهي مهنة حيوية وفاعلة أي أنها ذات ثمار ونتائج إيجابية فما أعظم وأجمل من أن يكون لك دورٌ ولو يسير في إنقاذ حياة مريض أو إسعافه أو علاجه!! وأنا في كل يوم من أيام دراستي وممارستي لهذه المهنة العظيمة أزداد حباً وإيماناً بها لما تمنحني من الثقة والعطاء والقوة حتى أكون بإذن الله مثال الممرضة المسلمة التي يشار إليها بالبنان. وتضيف: إن دخولي في مجال التمريض كان عن رغبةٍ وطموح إذ كنت أرغب بالعمل في المجال الطبي أياً كان نوعه وأحلم بارتداء المعطف الأبيض وممارسة العمل الصحي.. وحاولت التقديم للتمريض ولكن لم أوفق.. ورغم ذلك ظل الأمل الكبير في اقتحام المجال الصحي والعمل في يراودني فسجلت في كلية العلوم آملة الانتقال بعد ذلك إلى الكليات الطبية فاجتهدت للحصول على المعدل التراكمي المرتفع وبعدها وفقت ودخلت إلى كلية التمريض باجتياز المقابلة الشخصية مع سعادة لا توصف.

عمل شريف وأمل مشرق

من جانب آخر وفيما يخص ردة فعل الأقارب والوالدين حول دراستها للتمريض أضافت: أثناء الفصل الأول من دراستي في كلية العلوم كنت أقنع والدي بالمهنة العظيمة وأحدثه عن تجارب الممرضين والممرضات المشرفة وهو مقتنع بذلك، ولكن خوفه كان من نظرة المجتمع على مستقبل ابنته، ومع ذلك استطعت في النهاية إقناعه بحبي للمجال وقدرتي على الإبداع فيه. أما والدتي الغالية فقد أرادت كتمان الأمر عن الجميع وإبقاءه سراً خوفاً من السمعة السيئة والمستقبل الغامض، ولكنني أقنعتها بأنني سأتحمل كامل المسؤؤلية ووعدتها بيوم قديب قادم تفخر فيه لكوني ممرضة ناجحة. أما عقول الناس وتفكيرها ونظرتها فلا يمكن تغييرها إلا بالعمل الجاد والأمل المشرق. أما الأقارب عندما يستفسرون عن المجال فأوضح لهم مدى راحتي واستمتاعي بهذا التخصص الرائع مما جعلهم يعتادون هذه المهنة بل ويبدون إعجابهم بمدى ثقافتي ومعلوماتي الطبية التمريضية، وبعد أن كانوا أشد المعارضين لهذه المهنة أصبحوا اليوم يتمنون أن تلتحق بناتهم وأخواتهم بهذا المجال الإنساني النبيل.

عوائق وصعوبات

الطالبة «ع. الشمري» ترى الأمر من زاوية مختلفة فتقول: إن دخولي إلى عالم التمريض كان عن طريق الصدفة نوعاً ما وبدون تخطيط مسبق ولكن سماعي بهذا المجال أثار فضولي فسجلت فيه وكانت أمي مؤيدة ومتفهمة لاختياري بعكس والدي الذي رفض الأمر بشدة في بداية الأمر لكني لم أعجز ولم أستسلم بل رحت أحدثه وأقنعه حتى حصلت على موافقته. وبالنسبة لموقف أقاربي من هذه المهنة فإن غالب الذكور يرفضون عمل الفتيات في هذا المجال، أما الإناث فكنت أتلقى منهم القبول والتشجيع والمساعدة.

وتضيف حول العوائق والصعوبات التي تواجه طلاب وطالبات التمريض أثناء الدراسة فتقول: برأيي أن عائق اللغة الإنجليزية هو أول وأكبر العوائق في المراحل التحضيرية لأننا ندرس مواد التمريض كلها بالإنجليزية التي لا نتقنها! أما العائق الثاني فهو انتقادات المجتمع للممرضة السعودية وعزوف الرجال عن الزواج من الممرضات، وأما الصعوبات الأخرى فمنها وجود مبنى الكلية في أبعد زوايا الجامعة وقلة الاهتمام بالكلية نفسها من ناحية المرافق والمعامل والكفتيريا.

وتتفق معها الطالبة «ن.ع.ع» على أن عامل اللغة هو من العوامل الرئيسية التي تشكل عائقاً قوياً في دراسة تخصص التمريض قائلة: من حيث الأعمال والواجبات والمهارات المطلوبة مني كممرضة فإنني أستطيع إتقانها وأداءها والتعامل معها بشكل ممتاز، لكن اللغة الإنجليزية تسبب لي الكثيرمن الإحراج والارتباك. وتضيف: أيضاً من الصعوبات التي نواجهها أثناء الدراسة عمل البحوث الكثيرة التي نبذل بها جهداً كبيراً والتي قد تعكس مستوانا العلمي المحدود مقارنة مع المستوى العلمي لعضو هيئة التدريس.

وحول الثمرات والنتائج الإيجابية التي حصلت عليها شخصياً في هذا المجال تقول: في ظل تبحرنا في عالم التمريض فإن هذه المهنة استطاعت إكسابي الكثير من العلاقات الاجتماعية والصداقات القوية ويرجع الفضل في ذلك إلى مجال التمريض نفسه الذي يجسد المعاني الإنسانية النبيلة من رحمة وإيثار وتضحية ومواساة.

كما تستذكر  الطالبة «أ.ع.م» تلك العلاقات الاجتماعية بقولها: إنني الآن كل يوم يمر بي يسطر بماء الذهب، فصديقاتي رائعات جداً يتميزن بأخلاق عظيمة تعلمت منهن الكثير واستفدت من خبراتهن، فحقاً يا لها من ذكريات جميلة رائعة!!.

شعور مزدوج

ورغم حب الطالبات ورغبتهن في دراسة هذا المجال والعمل فيه.. ورغم تقبل بعض أولياء الأمور وأفراد المجتمع لانخراط الفتاة السعودية في هذا المجال إلا أن الموقف الاجتماعي السائد والغالب لا يزال هو الرفض والسلبية تجاه مهنة التمريض بشكل عام والممرضات بشكل خاص.. لذلك نعود مرة أخرى لنلتقي بالطالبة «ر. س. الغامدي» التي تفسر أسباب هذه النظرة المتفشية بقولها: إن الاختلاط بالجنس الآخر والعمل لساعات طويلة والدوام المسائي والخوف من التبرج، والتأخر في الزواج، كلها عوامل ساعدت على تبني هذا التصور لدى كثير من أبناء المجتمع.. وأنا لا ألوم أصحاب هذه النظرة بل أكن لهم كل الاحترام فالإنسان كعادته عدو لما يجهل فالتمريض عمل شريف وكل إنسان مسؤول عن نفسه وعن رقابته الذاتية. وتضيف: لكل شيء جانب إيجابي وسلبي فمهنة التمريض عالم كبير يضم الأقسام النسائية الكثيرة مثل «تمريض النساء والولادة، وتمريض الأطفال، وتمريض صحة المجتمع»، فالأقسام كثيرة وهناك نقص كبير فيها، حتى وإن كانت المرأة متواجدة في الأقسام التي تتطلب منها الاختلاط فإنها مسلمة أولاً وأخيراً وتستطيع المحافظة على نفسها وحجابها وأخلاقها ولن يضرها مكروه بإذن الله.

وتضيف: لقد وجدت الممرضات الصحابيات في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم أمثال «رفيدة بنت سعد الأسلمية» أول ممرضة في الإسلام وهي أول من أقامت مستشفى ميدانياً في غزوة الخندق عندما نصبت خيمتها هناك لتداوي جرحى المسلمي.

وتحدثت الطالبة «.ز.ج.ع» عن الطالبات الكثر اللواتي يرفضن الدخول إلى عالم التمريض خوفاً من التأخر في الزواج أو مواجهة شبح العنوسة بقولها: إنها بالفعل ظاهرة ملفتة للنظر وهي حقيقة واقعية وأنا أعرف الكثير ممن تخلين عن مهنة التمريض لهذه الأسباب قبل وبعد الارتباط فهناك بعض الآباء والأزواج ممن لا يسمحون لبناتهم أو زوجاتهم بالدوام المسائي أو الليلي.

مشكلة الاختلاط

ونرى علامات الدهشة والتعجب على الطالبة «أ. ع. م» وهي تتحدث قائلةً: عندما كنت في المرحلة الثانوية لم أكن أسمع  عن هذه المهنة الإنسانية سوى الرفض والكلام السيئ أما اليوم وبعد دخولي هذا المجال فقد أصبحت أتألم وأتحسر وأفكر بعمق في أسباب تلك النظرة السلبية من قبل المجتمع لهذه المهنة الإنسانية النبيلة!! أما قضية الزواج وتأخره فالكثير من صديقاتي الممرضات متزوجات ولكن هناك ما يعيق الزواج لدى البعض كالاختلاط وساعات العمل الطويلة، وفي المقابل هناك بديل لمن لا يريدون ذلك كالتمريض الاجتماعي والنفسي وتمريض الأطفال والنساء والولادة.

واقتصرت الطالبة «ع. الشمري» في حديثها عن هذه القضية بقولها: إن التمريض مهنة راقية جداً فيجب أن تكون قوياً بما يكفي لتواجه المجتمع وصعوباته فهذا مستقبلك أيتها الطالبة فلا تتركي الآخرين يتحكمون به ويسيرونه حسب أهوائهم. فنحن نحتاج إلى جيل تمريضي جرئ وقوي لا يتردد في خوض المغامرات «طبعاً فيما يرضي الله تعالى».

وبعد فهذه دعوة من جميع الطالبات المشاركات في هذا التحقيق ومنا لتغيير النظرة نحو مهنة التمريض بشكل عام والممرضات السعوديات بشكل خاص وقبولهن كمواطنات صالحات عاملات منتجات لا يسع المجتمع الاستغناء عنهن وعن خدماتهن.

 
 
  imag