أقول قولي في الفلسفة
|
 |
|
أ.د. عبد الله بن صالح البراك |
لعله من المتقرر لدى العلماء والباحثين أن الفلسفة الغربية يتأسس موقفها من فلسفة العلم على التفسير المادي الخالص الذي لا يؤمن إلا بالمادة وينكر ما وراءها، وبالتالي فإن أي حديث عما وراء المادة يعتبر خارجا عن نطاق العلم، وهو من قبيل الخرافات التي يرفضها العقل ولا يقبلها التفسير العلمي ولا ترى الأديان عموما كمنهل أو مصدر إلهام يوجه إلى التفكير العلمي السليم. هذا هو الموقف الغربي في التفسير وفي فلسفته العلمية.
وهذا التفسير يستمد جذوره التاريخية من الفلسفة اليونانية وخاصة الجانب الأرسطي منها الذي بنى موقفه على المادة وفق حقائق يجب على الباحث المنصف ألا يتجاوزها سهوا أو عمدا.
وقد ترتب على هذا التفسير المادي لفلسفة العلم في الغرب قطع أو بتر الصلة بين العالم المادي والتفكير فيما وراءه من الأسئلة الميتافيزيقية (الغيب) التي تتعلق بالخلق والخالق والعلاقة بينهما وأصبحت علاقة الإنسان بالكون تتلخص في الانتفاع به دون التساؤل عما إذا كان الكون موجودا لغاية وهدف أم لا وهل هناك وظيفة كونية مقصودة للخالق أم أن الكون وجد هكذا مصادفة أو عبثا.
وهذا التصور الغربي للوجود كله لابد أن يختلف بالضرورة عن التصور الإسلامي الذي يتأسس على نفي العبثية وإثبات الحكمة والإيمان بالقصد والغاية للوجود بدءاً ونهاية ووظيفة كما يختلف أيضا من ناحية التصريف والتدبير والتأثير المتبادل بين ظواهره ويختلف ثالثا من ناحية علاقته بالإنسان ذلك أن التصور الإسلامي لفلسفة العلم يتأسس على أن مهام العلم ومهمة العالم متعددة ومتنوعة حسب وظائف الكون وتعدد غاياته ومقاصده سواء لمقصد الخالق وحكمته من الخلق أو بالنسبة للإنسان وعلاقته بالكون قال تعالى (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون(. وقال (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا(. وغيرها من الآيات. وحتى لا يتيه العقل في قوانين الوجود يقول ربنا جل وعلا (ألا له الخلق والأمر(. وقبل أن أنهي هذه الفقرة أقول: يجب أن نتوقع اختلاف الموقف من العلم وفلسفته ووظيفته في كل من الحضارتين الإسلامية والغربية. ويمكن الرجوع لما كتبه محمد علي أبو ريان عن العلوم الإنسانية في الغرب الحديث وبنيتها اللاهوتية.
أما ما يتعلق بعدم فهم بعض الخائضين في منهجية وموقف ابن تيمية من الفلسفة والمنطق فأتصور أن الخلل جاء من جهة قراءة كتب الفلسفة عن طريق الكتب المترجمة التي قد تعكس مذهب الانبهار والإشادة فيكون الكاتب يفكر بعقل غيره شعر أو لم يشعر، وأمر آخر هو عدم الرجوع لما سطره ابن تيمية في مؤلفاته العديدة. ويمكن الرجوع إلى ما كتبه أحد سلاطين الفلسفة في العصر الحاضر وهو الدكتور علي سامي النشار في كتابه (مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي) الذي تناول فيه (ص 179- 282) بالتحليل والدراسة أثر ابن تيمية وعمقه الفلسفي وقال (ص 283) عن ابن تيميه: «وإنه ترك لنا بهذا النقد تراثا علميا ممتازا».. سدد الله الجميع للخير.
قسم الثقافة الإسلامية