الطرق المثلى لاستخدام وترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية
|
 |
|
أ.د. عبد الله محمد الشعللان |
تعتبر الطاقة الكهربائية من أهم ثمرات التقنية الحديثة في حياة الإنسان المعاصرة، وقد ازداد ارتباطه بها واحتياجه لها واعتماده عليها في جل نشاطاته الحياتية سواءً في بيته أو عمله أو معهده أو مصنعه أو متجره، وفي مناح أخرى كالمواصلات والاتصالات والطب والزراعة والتعليم وأساليب التحكم والتصميمات الهندسية المتعددة. ولقد أسهمت هذه الطاقة بحق في تحويل حياة الإنسان في الوقت الحاضر من شظف وإرهاق في الأسلوب والممارسة إلى يسر ومرونة في التعامل والتطبيق.
من هذا المنطلق تبرز أهمية الدعوة إلى حسن استخدام الطاقة الكهربائية وترشيدها مع ملاحظة مظاهر الإسراف والهدر واللامبالاة عند استخدام هذه الطاقة الحيوية والغالية.
وفي محيطنا الأكاديمي نلاحظ في كثير من مباني الجامعة أن الأنوار تبقى مضاءة بعد انتهاء الدوام وخلوها من الموظفين أو الطلاب وفي ذلك هدر وضياع للطاقة ونرى أن بعض المكاتب والغرف الدراسية قد تركت الأنوار بها مضاءة بعد مغادرة الموظفين لمكاتبهم أو خروج الطلاب من القاعات الدراسية وانتفاء الحاجة لاستخدامها بعد ذلك وليس ثمة من يكلف نفسه عناء إقفالها وإطفائها، وهذا قد يعبر عن غياب حس الواجب والشعور بالمسئولية عند البعض هداهم الله.
وقد صممت مصادر الكهرباء في الجامعة وأسست على أفضل الأسس الفنية وأعلى المستويات التقنية وهذا يقلل بمشيئة الله من احتمالات المخاطر التي تتأتى من زيادة الأحمال على بعض التمديدات والدوائر الكهربائية أو التعرض لخطر الصعق الكهربائي لا قدر الله، وقد عمل لهذه المصادر أفضل الاحتياطات من تركيبات لمعدات الحماية ووسائل الوقاية من العطب والتلف جراء الاستخدام الخاطئ لتلك المعدات. وعند تشغيل أجهزة الحاسوب وبعض الأجهزة الكهربائية المختلفة يجب والحالة هذه التأكد من جودة المقابس (الأفياش) وسلامة الأسلاك الموصلة وعدم تمزق أو تهتك عازليتها (المادة العازلة للأسلاك) مما قد يسبب تسربا للتيار الكهربائي ومن ثم حدوث تماس بين الأسلاك نفسها أو بينها وبين أجسام وهياكل المعدات مما يشكل خطرا على المستخدم ويسبب عطبا لتلك المعدات. ونصيحتي للمستخدم بشكل عام أن يعي كيف يتعامل مع الكهرباء بمنتهى الوعي والحذر، كما أن من الضروري إطفاء جميع الأجهزة والمعدات في الحال عند انقطاع التيار الكهربائي لما في ذلك من وقاية لتلك الأجهزة عند عودة الخدمة مرة أخرى وسريان التيار الكهربائي مرة أخرى وحماية لها من التموُّر (بتشديد الواو) وهي ظاهرة كهربائية خطرة تتمثل في القيم العالية لشدة التيار الكهربائي عند عودته مرة أخرى بعد التوقف وقبل أن يصل إلى حالة الثبات والاستقرار، وهذه القيم العالية للتيار الكهربائي كافية لإحراق الأجهزة والمعدات التي ظلت مفتوحة (مشغلة ولم يتم إطفاؤها) عند لحظة انقطاع التيار الكهربائي.
ولعل من المشاهد والملاحظ أن هناك أنوارا تظل مضاءة طوال اليوم في الردهات والسلالم والممرات والصالات وخارج المباني وعلى الأسوار حيث لا حاجة للإنارة في وقت النهار، كما أنه في كثير من الممرات نرى أن ليس هناك من داع لتشغيل الإنارة نهارا ولكن مع هذا تجد المصابيح مضاءة وبشكل دائم وفي هذا هدر واضح للطاقة وإساءة للموارد. ومن المعروف أن الفصول والقاعات الدراسية وجل مباني الجامعة مجهزة بنوعين من الإضاءة: إضاءة اصطناعية (بوساطة المصابيح الكهربائية)، وإضاءة طبيعية (من خلال النوافذ أو المناور أو الفتحات العلوية في السقف). ولكنها -أي تلك الأنوار- تظل مضاءة وبشكل مستمر دون حاجة لها مما يسبب هدرا واضحا لا مبرر له للطاقة الكهربائية وخسائر مادية محسوسة، كما أن المصباح ذاته يفقد من كفاءته قدرا لا يستهان به الأمر الذي يستلزم معه تغييره عند تلفه أو احتراقه أو انتهاء عمره التشغيلي بشكل سريع. وفي هذا المجال تبرز أهمية الدعوة إلى الترشيد من خلال إقفال وإطفاء مصادر الطاقة الكهربائية عند عدم الحاجة إليها أو عند الانتهاء من ذلك.
أما بالنسبة للصيانة الدورية للأجهزة والمعدات الكهربائية (وهو ما يعرف أيضا بالصيانة الوقائية) فإنها تعد إجراءً بالغ الأهمية يهدف إلى تفقد الأعطال ويسعى لإصلاح العطب (إن وجد) كما أنها تعد بمثابة تدابير ضرورية لحماية المستخدمين والآلات المستخدمة على حد سواء. وإذا سلمنا بأن أداء الأجهزة والمعدات الكهربائية والميكانيكية يخضع لفترة تشغيلية تم تحديدها عند التصميم فإن الصيانة الدورية والمنظمة (المجدولة) تطيل بلا شك من تلك الفترة الزمنية للجهاز أو المعدات وتحسن أداءها، وعلى النقيض من ذلك فإن التراخي والتهاون في إجراءات الصيانة قد يفضي إلى تدني أداء المعدات وتذبذبه ويسرع في تقلص تلك الفترة التشغيلية وبالتالي فلا مندوحة من تغييرها بأخرى، وفي ذلك بالطبع هدر للموارد وإضاعة للوقت والجهد. ولعل التكييف يأتي في مقدمة الأولويات التي يجب أن تحظى بالصيانة الدورية المنظمة لأنه الأكثر استهلاكا للطاقة الكهربائية والأحوج لعمليات الصيانة المكثفة. وكما هو معروف فإن نظام التكييف في الجامعة مصمم على مبدأ اقتصادي معروف يهدف أولا إلى ترشيد الطاقة وثانيا إلى تفادي تزامن التشغيل مع فترة الحمل الذروي لشركة الكهرباء يقوم على مبدأ التخزين الحراري للطاقة Thermal Energy Storage لتبريد أو تدفئة المنشآت المعمارية الكبيرة.
ونحن مستخدمو ومستهلكو الطاقة الكهربائية لنا دور مهم في عملية ترشيد استهلاك الطاقة وعدم هدرها هباء وأنها كأي طاقة أو مادة حيوية يجب أن تراعى وأن لا تصرف إلا في وجهات ومناح سليمة، وربما لا يدرك البعض الجهود الكبيرة التي تضافرت والأموال الطائلة التي أنفقت في سبيل إيجاد هذه الطاقة المهمة وتوفيرها للجميع ثم يعمد البعض غير واع أو عابئ إلى الإسراف في استخدامها وإهدارها فيما لا يجدي، لذا يجب سن ضوابط وأسس لترشيد الاستهلاك ووضعه ضمن إطار منظم يوفر للمستهلك وضمن حدود استطاعته التمتع بهذه الطاقة في حياته ومعاشه ولكن عليه في نفس الوقت أن يتحمل تبعة أي إسراف أو هدر قد يحدث من جانبه.
وتدل التجارب دائماً على أن سن القوانين ووضع القواعد لحسن استخدام الطاقة الكهربائية وترشيد استهلاكها بالطرق المثلى قد لا يكون وحده كافياً لتعويد وتطويع المستهلكين على اتباع أفضل الطرق لاستغلالها وحسن استخدامها، إذ لابد أن تكون ثمة قوة فاعلة لإنفاذ تلك القواعد والقوانين. وحيث إن التكييف هو أكثر الأحمال الكهربائية استهلاكا للطاقة فلا بد إذن من التحكم التلقائي في تشغيله وأن يطفأ في حالة عدم الحاجة إليه.
إننا نستطيع أن نؤكد أن ترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية قد أضحى من القضايا المهمة التي باتت هاجسا يشغل بال جهة الإمداد (شركات الكهرباء) وجهة الطلب (المشتركين) ويمكن القول بأن دراسة هذا الموضوع بشكل علمي وتطبيقي وتوعوي أصبح مطلباً ملحاً لمجابهة ظاهرة النمو المتسارع في الطلب على الطاقة الكهربائية ومن ثم تحقيق الاستخدام الأمثل لإمكانيات النظم الكهربائية وتخفيض نفقاتها الرأسمالية والتشغيلية، كذلك تحقيق الاستخدام الاقتصادي الأمثل للوقود مما سيؤدي حتماً إلى تقليص التكاليف عن كاهل شركات الكهرباء ومشتركيها على حد سواء.
أستاذ الهندسة الكهربائية