English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

أوقاف... وأبحاث... وتوطين تقنية لأجل المياه

عبدالسلام اليمني

 

عندما وضع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حجر الأساس لانطلاق تنفيذ جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية في تبوك بالمنطقة الغربية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، أكمل منظومة التأسيس بإعلان وقف الجامعة بعشرة بلايين ريال، وهذا الوقف سيكون له الأثر الفعال في استقرار موارد الجامعة المالية، وسيسهم في استمرار ريادتها وإنجازاتها العلمية، وضمان عدم تأثرها مستقبلاً بالظروف المالية والاقتصادية، وهذا النهج يعتبر - على حد علمي - جديداً في منطقة الخليج والشرق الأوسط، ولكن الجامعات العالمية لديها أوقاف تقدر ببلايين الدولارات، فجامعة هارفرد لديها وقف يقدر بنحو 30 بليون دولار، وجامعة ستانفورد تقدر أوقافها بنحو 15 بليون دولار، وجامعة كمبردج تمتلك أوقافاً تقدر بنحو 6 بلايين دولار، وقد أسهمت هذه الأوقاف في استمرار تبوء هذه الجامعات لمكانتها وريادتها وإنجازاتها العلمية.
ولأن مدير جامعة الملك سعود الدكتور عبدالله العثمان شخصية تتمتع بالديناميكية، وعدم تفويت الفرص والمبادرات الإيجابية، فقد سارع وبشكل مذهل إلى الإعلان عن تبني جامعة الملك سعود لبرنامج وقف الجامعة الذي سيبدأ بتنفيذ مشاريع بقيمة 500 مليون ريال، ويستهدف أو يكون لدى الجامعة أوقاف بحدود 25 بليون دولار على المدى البعيد، كما أعلن الدكتور العثمان أنه سيتم تنفيذ مشاريع عدة في مواقع مختلفة تستهدف شرائح عدة تشمل قطاع الأعمال، والأبحاث، والتطوير، وفي مجال الخدمات الصحية والتجارية، وأن باكورة هذه المشاريع عبارة عن وقف متعدد الاستخدامات باسم أبراج الجامعة، وفندق، ومشاريع عدة أخرى تعكف الجامعة على درسها ووضعها موضع التنفيذ. وسارعت كذلك جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للإعلان عن وقف الجامعة لدعم البحوث والبرامج التعليمية، وآمل أن تتجه جميع الجامعات السعودية إلى وضع برنامج وقفي استثماري مشابه للبرنامج الذي أعلنت عنه جامعة الملك سعود، وليس بالضرورة أن تكون في البداية مبالغ الوقف كبيرة، المهم أن تبدأ بقية الجامعات في التفكير والتخطيط للوقف الجامعي، فالجامعات العالمية بدأت أوقافها بمبالغ محدودة حتى وصلت إلى بلايين الدولارات.
وقد استوقفني هذا النهج الجديد أو ثقافة الوقف الجديدة، وأثارت لديّ تساؤلاً عن أوقاف هي الأولى في الأهمية، والتفكير، والتخطيط، أوقاف للمياه التي نشهد كل عام سحباً من التساؤلات عن مستقبلها، ونسبة مخزونها، وأولويات صرفها! كل كائن حي يعيش على هذه الأرض بحاجة إليها، ومن المفترض أن يكون مستعداً للتضحية من أجلها، ومن أجل المحافظة عليها، ولهذا تستحق أن نكرس كل إمكاناتنا الفعلية، والمادية لوضع أفضل الخطط والبرامج والاستثمارات التي تحقق نوعاً من الأمن المائي للإنسان، والحيوان، والغذاء، وسأبدأ بنفسي وأسهم بالمقترحات الآتية:
أولاً: تحلية المياه مازالت، وستظل خيار المملكة الاستراتيجي لتوفير مياه الشرب للمواطنين في أرجاء المملكة كافة، وصناعة تحلية المياه تحتاج إلى مصاريف رأسمالية وتشغيلية سنوية باهظة التكاليف، وبحاجة إلى توفير تدفقات نقدية مستمرة غير قابلة للانكماش مهماً كانت الأوضاع المالية، والاقتصادية للدولة، ورأينا عندما هبطت أسعار البترول قبل عشر سنوات، وتأجل تنفيذ خطة المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة في تنفيذ المشاريع، نواجه حالياً نقصاً للمياه في بعض مناطق المملكة، وتم الاستعانة ببوارج بالغة التكاليف لسد النقص في المنطقة الغربية على سبيل المثال لا الحصر.  كما أن محطات التحلية، وكما هو معروف، لها أعمار افتراضية محدودة، حتى التخصيص الذي نُبَشّر به بين الحين والآخر سيحتاج إلى موارد مالية لأنه سيوفر على الدولة الاستثمارات الرأسمالية، ومصاريف التشغيل والصيانة للمشاريع المستقبلية التي سيتولى تنفيذها القطاع الخاص، أو المحطات القائمة التي سيتم بيعها، ولكن الدولة ممثلة في المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة ستبقى تتحمل تكاليف وأعباء الإعانة، لأن القطاع الخاص أو المستثمرين لن يَقبِلوا على مشاريع تحلية المياه إلا بحسابات اقتصادية تحقق لهم الربح، وفي المقابل الدولة لن تقبل بإثقال كاهل المواطن برفع تعرفة المياه إلى الحد الذي يحقق للمستثمرين هذا الربح، لذلك ستبقى الإعانة موجودة، وستبقى الالتزامات المالية للصرف على المياه مستمرة إلى أن يشاء الله، ولهذا أقترح الإسراع بإنشاء صندوق أوقاف المياه، وتكون إيراداته وفقاً للآلية الآتية:  تقدم الدولة لهذا الصندوق الوقفي مبلغاً تأسيسياً يقدر بعشرة بلايين ريال، وبعد ذلك تقدم سنوياً بليون ريال كدعم مستمر للصندوق.  تقدم كل شركة مساهمة مدرجة في السوق المالية دعماً مالياً للصندوق الوقفي للمياه يتراوح ما بين100 ألف ريال، إلى مليون ريال، بحسب حجم الشركة وأرباحها السنوية، كما تقدم كل شركة أو مؤسسة أو مصنع يزاول أعمالاً تجارية أو صناعية أو زراعية مبلغاً مالياً لا يقل عن 1000 ريال سنوياً.  يقدم كل مواطن أو مقيم يعمل في القطاع العام أو الخاص ريالاً واحداً يخصم من راتبه شهرياً، وتحول ضمن موارد الصندوق المالية شهرياً.
ثانياً: يكون لصندوق أوقاف المياه نظام أساسي يعد بشكل دقيق وواضح بما يضمن الحفاظ على موارده، وطريقة استثمارها، ومجلس الإدارة الذي سيتولى إدارة الصندوق، وتصدر له قوائم مالية ربع سنوية، وحسابات ختامية سنوية.
ثالثاً: على رغم بعض الجهود التي تُبذل في مجال البحث والتطوير، إلا أن الأمر يتطلب التوسع في هذا المجال ليشمل جميع الأنشطة المتعلقة بصناعة المياه في المملكة، وكذلك التشجيع على إقامة صناعات تحويلية مساندة لمشاريع تحلية المياه مثل صناعة قطع الغيار، والمواد الخام المستخدمة في التحلية، وكذلك الخدمات الأخرى المساندة، ويمكن أن تقوم المؤسسة العامة لتحلية المياه بالتعاون مع الهيئة العامة للاستثمار بإعداد دراسات جدوى للفرص المتاحة في مجال الصناعة والخدمات ذات العلاقة بتحلية المياه وعرضها على القطاع الخاص، وأعتقد أن إقامة هذه الصناعات من الأمور الإستراتيجية التي ستسهم في ضمان توافر حاجات قطاع التحلية من المواد والخدمات المساندة، خصوصاً أن الاستثمارات في مجال تحلية المياه في المملكة تعد الأولى عالمياً، فمن المهم الاستثمار فيها وتوطين تقنيتها. وزير المياه والكهرباء ورئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة المهندس عبدالله بن عبدالرحمن الحصين يعرف حق المعرفة، ويعتبر مرجعاً وحجة في العمليات كافة المتعلقة بصناعة التحلية بالمملكة، قضى فيها عمراً مديداً من مهندس في التشغيل، إلى مدير، فنائب، فمحافظ للمؤسسة قبل أن يكون وزيراً، فلذلك هو يعرف أهمية البحث، والتطوير، وتوطين التقنية، وقبل هذا وذاك أهمية التدفقات النقدية الدائمة لاستمرار تدفق المياه.
كما لا يساورني أدنى شك في أن أوضاع المياه بالمملكة تحظى باهتمام بالغ من الدولة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله، ولكني أعتقد أن الأوضاع الاقتصادية والمالية المزدهرة بحمد الله في وطننا العزيز حالياً تجعل من إنشاء هذا الصندوق الوقفي السيادي للمياه مطلباً مهماً واستراتيجياً لوطن يعاني مثل عدد كبير من دول العالم من شُح المياه.
تُذكُرنا تجربة ناجحة وفعالة عندما أُنشئ صندوق رسم الكهرباء عام 1415هـ، وذلك بسبب ما واجهته شركات الكهرباء آنذاك من قلة الموارد المالية التي لم تُمكنها من تنفيذ المشاريع الكهربائية، وبالتالي واجهت عجزاً في إنتاج الطاقة الكهربائية، وكان ذلك لعدم اعتماد الإعانة الكافية لشركات الكهرباء من وزارة المالية آنذاك بسبب انخفاض أسعار البترول، وكان لابد من إنشاء صندوق رسم الكهرباء وفرض رسم قدره قرش واحد على كل فاتورة شهرية صدرت لاستهلاك الطاقة الكهربائية، ووصل دخل هذا الصندوق من رسم القرش الشهري إلى نحو 16 بليون ريال على مدى خمس سنوات، استطاعت من خلاله شركات الكهرباء إنشاء مشاريع كهربائية كان لها الأثر البارز في تجاوز اختناق كهربائي كان سيحدث لو لم يتم إنشاء مثل هذا الصندوق، والنجاح هو طريق لمزيد من النجاح والتخطيط والاحتياط واجب، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بمادة جعل الله سبحانه وتعالى منها كل شيء حي.
نقلاً عن صحيفة الحياة السبت 07/06/2008م

 
 
  imag