الانتقال إلى البحث
  English
تسجيل الدخول |
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

معاناة باحث

 

سعيد بن صالح الغامدي

بدأت قبل شهرين رحلتي العلمية داخل مناطق المملكة لجمع المادة العلمية لبحثي لدرجة الدكتوراه والذي أعده عن حملة الانتخابات البلدية في جامعة كاردف ببريطانيا. وقد كانت الاستبانة هي الأداة الرئيسية لجمع المعلومات إضافة إلى المقابلات الشخصية وتحليل المحتوى لما كتب وأنتج من مواد إعلامية عن تلك الحلمة الوطنية الكبرى.
وقبل أن آتي إلى المملكة كان هناك لقاءات مع مشرفي الدراسي للخروج باستبانة وأسئلة دقيقة تفي بمتطلبات البحث وتجيب على أسئلة الدراسة، كما تبع ذلك تحكيمها من قبل عدد من أساتذتي الأفاضل في قسم الإعلام والذين أبدوا حماسةً كبيرةً وتشجيعاً منقطع النظير لي ولهذه الدراسة. وكان حاضراً وبشكل دائم في التفكير أن خير مكان للبدء بتطبيق تلك الدراسة هو الجامعة بيتنا جميعاً جامعة الملك سعود.. هذا المكان الرائع الذي يضم بين جنباته العدد الكبير من العلماء والمفكرين وصفوة المجتمع. تلك هي الصورة الوردية التي رسمتها لمجتمع الجامعة العلمي وفي داخلي سعادة غامرة وأمل كبير بأن الاستجابة من أعضاء هيئة التدريس من أساتذة ومحاضرين ومعيدين وموظفين ستكون كبيرة وذلك لما لهم من أهمية كبيرة لموضوع الدراسة كعينة لها وزنها ورأيها الذي يعتد به وثقلها العلمي ودورها الاجتماعي مما سيثري بلا شك الدراسة ونتائجها بما لديهم من آراء وأفكار قيمة. ولكن الذي حدث عكس ذلك تماماً فقد قمت بتوزيع ما يزيد على الألف استبانة بعدما حصلت بالطبع على الموافقات اللازمة من القسم والكلية ووكالة الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي، ووزعتها بنفسي على أقسام الجامعة المخلتفة وذلك بوضعها في الصناديق البريدية لأعضاء هيئة التدريس بالكليات إضافة إلى توزيعها على عدد من مدراء الإدارات والأقسام الإدارية الأخرى. وبعد أسبوع مليء بالانتظار عدت لتلك الجهات وكلي أمل وترقب ولكن كانت المفاجأة أو الطامة الكبرى وهي أنني لم أستطع جمع أكثر من عشرين إستبانة مكتملة فقط وأتذكر حينها مواساة وتعاطف ونظرات الشفقة من الإخوة في سكرتارية الأقسام وهم يهونون علي الصدمة بالقول إن الأساتذة مشغولون ويحتاجون إلى مزيد من الوقت وكان حال الجميع يقول: راجعنا بعد أسبوعين أو عشرة أيام على أقل تقدير. وقررت أن أعود بعد أسبوعين لإعطاء الأساتذة متسعاً من الوقت لتعبئتها، وفي نفس الفترة قابلت واتصلت ببعض رؤساء الأقسام ورجوتهم حث منسوبيهم على تعبئة تلك الاستبانات وكانت ردودهم مشجعة إلى حد أثلج صدري وجعلني أحلم بصيد أوفر في المرات القادمة. وبعد أسبوعين آخرين عدت إلى الأقسام مرة أخرى وقابلت موظفي السكرتاريا في الأقسام والذين أبدوا مرة أخرى تعاطفهم معي ودعواتهم إلى الله بأن يهدي منسوبي الأقسام إلى تعبئة تلك الاستبانات وذكر لي معظمهم بعد أن توطدت علاقتي معهم نتيجة ترددي عليهم أن ما يحدث يشكل ظاهرة حقيقية في الجامعة وأن الكثير غيري من طلاب الدراسات العليا يمرون بشكل دائم بمثل ما مررت به ويعانون من عدم تجاوب أعضاء هيئة التدريس للمشاركة في هكذا بحوث. وتكرر ذلك الموقف معي أسبوعاً تلو آخر حتى يئست تماماً من الحصول على المزيد من الاستبانات وفي كل مرة أعود إلى قسمي وأنا مهموم حزين كيف يحدث هذا من منسوبي جامعة الملك سعود والذين يدركون أكثر من غيرهم أهمية الإسهام في البحث العلمي ودورهم في  تشجيع ودعم طلاب الدراسات العليا.. وقد تذكرت في تلك الأيام العصيبة قصيدة طرفة بن العبد عن صعوبة جفاء الأقارب والأهل على الإنسان وبحكم كوني أنتمي إلى الجامعة وإلى منسوبيها من أعضاء هيئة التدريس فإنني أعتبرهم من ذوي القربى فأقول: 
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند
وكان أن تشاورت مع عدد من الأساتذة حول هذه المعضلة التي أذهبت النوم من عيني لبعض الوقت فكان الرأي أن أستخدم ما يعرف في الدراسات الإعلامية المسحية بـ(كرة الثلج) وهو اللجوء إلى الأصدقاء والمعارف من أعضاء هيئة التدريس والموظفين بطلب تعبئة الاستبانة وتزويدهم بعدد إضافي لتوزيعها على أصدقائهم ومعارفهم ليقوموا بالدور نفسه وقد نجحت هذه الطريقة إلى حد بعيد على الرغم من الملاحظات العلمية التي قد تؤخذ على هذه الطريقة حول تمثيلها الدقيق لعينة البحث ولكن لم يكن باليد حيلة ولم يكن بالإمكان أفضل مما كان.
وفي أيام المعاناة الأولى اتجهت إلى خارج الجامعة وقمت بتوزيع الإستبانة على عدد من القطاعات المختلفة من مدنية وعسكرية وخاصة وبأعداد كبيرة لكل جهة. والشيء المتسغرب حقيقة أن الاستجابة من خارج الجامعة كانت أكبر بكثير منها داخلها باستثناء استجابة منسوبي معهد الإدارة العامة وهم جهة تعليمية كانت مشابهة تماما للجامعة ومحبطة للآمال.. والسؤال الذي يؤرقني هو: لماذا هذا العزوف عن المشاركة في بحث علمي من الإخوة أعضاء هيئة التدريس من أساتذة ومحاضرين ومعيدين؟ والمشاركة في تعبئة الاستبانة قد لا تتجاوز عشر دقائق من الوقت وها هي تلك الاستبانات الآن تهجع قريرة دون حراك في الصناديق أو المكاتب ولا أريد أن أقول في سلات المهملات لمدة تزيد عن الشهر والنصف في تلك الأقسام؛ فهل يصدق أن عضو هيئة التدريس لا يجد عشر دقائق من وقته خلال أكثر من شهر للإسهام في بحث علمي؟! ماذا يصنع الطالب في وضع كهذا؟ كيف له أن يقنع من سيكون زميلا له في يوم من الأيام بالمساهمة في بحثه وبرأيه فقط؟ وما هي الطريقة المثلى لحث أعضاء هيئة التدريس على المساهمة في تلك البحوث؟ أسئلة أتمنى أن أجد ويجد غيري من طلاب الدراسات العليا الإجابة عليها خاصة أن جامعة الملك سعود تعيش والحمد لله طفرة كبيرة في كل المجالات وفي مجال البحث العلمي تحديداً والذي يحتاج إلى مشاركات مماثلة ومكثفة من فئة مميزة كأعضاء هيئة التدريس.
وأخيراً أشكر الله سبحانه وتعالى أن يسر الأمر لي وأتقدم بالشكر إلى معالي الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن العثمان مدير الجامعة وإلى سعادة وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي الأستاذ الدكتور منصور بن سليمان السعيد والذين كان لهم دور كبير في تسهيل مهمتي داخل وخارج الجامعة ولكل من ساهم في هذا البحث سواء بالمشاركة أو المشورة ومن تطوع وساهم في توزيع تلك الاستبانة على معارفه وأصدقائه.. ولن أنسى أبداً وسأذكر بالعرفان عدداً من منسوبي ومنسوبات الجامعة الذين استجابوا وساعدوني كثيراً في هذا الجانب وإلى أساتذتي في عمادة ووكالة كلية الآداب وقسم الإعلام.. وأخيراً إلى هذا المنبر الرائع (رسالة الجامعة) التي نقلت لكم معاناتي والتي أرجو أن يكون فيها من العبرة والعظة لمن هم في مثل ظروفي.. ولعلي أختم بقول الإمام الشافعي رحمة الله:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفـرج

طالب دراسات عليا
بريطانيا

 
 
  imag