English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

 

(الاقتصاد المالي- الاقتصاد العيني ) إشكالية العلاقة

تساءلنا  في مقال لنا منشور في عدد سابق من رسالة الجامعة (عدد 958) عن مصير الليبرالية الجديدة، وخلصنا إلى ضبابية ما ستؤول إليه من وقع  الأزمة المالية الراهنة. وفي الواقع أن طبيعة العلاقة بين الاقتصادين المالي والعيني الحقيقي (العيني) بدأت تظهر. الاقتصاد الحقيقي يتعلق بالأصول العينية Real Assets التي تتمثل في كل الموارد الحقيقية التي تشبع الحاجات بطريق مباشر (السلع الاستهلاكية كالطعام والملابس) أو بطريق غير مباشر (السلع الاستثمارية كالعدد والآلات). وإذا كان الاقتصاد الحقيقي يمثل القيمة الحقيقية للاقتصاد وأساس حياة البشر، فقد اكتشفت البشرية منذ وقت مبكر أن الاقتصاد العيني لا يكفي وحده، بل لا بد أن يزود بأدوات مالية تسهل عمليات التبادل المتعلقة بالأصول العينية وتيسر التعاون المشترك. وأخذت الأدوات المالية عبر الزمن مراحل وتطورات حتى وصلت إلى أهمها وأشهرها في العصر الحديث وهي الأسهم (التي تمثل حق الملكية على بعض الموارد كالمصانع والشركات)، والسندات (التي تمثل حق الدائنية تجاه مدين معين)، والنقود (التي تعطي حائزيها حق الحصول على أي سلعة أو خدمة من الاقتصاد). وليست للأصول المالية قيمة في حد ذاتها وإنما تعبر عن قيمة ما ترمز إليه وما تعكسه من الاقتصاد العيني، ولا تولد دخولاً بذاتها، وإنما تسهل من توليد الأصول العينية للدخول. ورغم ذلك يعاملها الاقتصاد العالمي الراهن باعتبارها تولد قيمة بذاتها في انفصام تام بينها وبين الاقتصاد العيني، وهنا سبب ومكمن الأزمة العالمية الراهنة. فمعظم الاستثمارات توجهت إلى المضاربة في الأصول المالية على حساب إنتاج الأصول العينية. وتحول الاستثناء إلى أصل والأصل إلى استثناء. وتضخم حجم الاقتصاد المالي وتقلص الإنتاج. ففي الولايات المتحدة (معقل الرأسمالية) صار حجم الاقتصاد المالي 70 ضعف حجم الاقتصاد العيني. ولو عقل العالم منذ زمن لتبين أن (أحل الله البيع وحرم الربا) إنما جاءت لتدفع بالاستثمارات إلى الإنتاج بعيداً عن أية مضاربة في الأصول المالية تحقق جبالاً من الأرباح لا أصول أو قواعد لها. ولم تقتصر إشكالية العلاقة بين الاقتصاد المالي والاقتصاد العيني على هذا الوجه. فيوجد وجه آخر ضاعف من الأزمة وأدى إلى انتشارها وهوما يسمى «بالتوريق». ويجمع هذا الوجه مع الوجه السابق قاسم مشترك يتمثل في جشع Greed فئة قليلة من الناس تسعى إلى تحقيق أرباح طائلة وسهلة على حساب الأغلبية والإضرار بالاقتصاد ككل.
فقد سعت المؤسسات المالية الأمريكية إلى تحويل المديونيات الخاصة بالمقترضين إلى مديونيات عامة ومن ثم المتاجرة بها من خلال صكها لسندات تمثل هذه المديونيات وهو ما سمي بالتجارة بالديون أو التوريق. وكان أبرز صور التوريق سندات الرهن العقاري. وأخذت هذه السندات صورة أكثر خطورة سميت «بالمشتقات». فالمؤسسة المالية صاحبة السند سعت إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الأخرى بضمان هذا السند وحولت الأخيرة الدين الذي لها إلى سدد واقترضت من أخرى بضمان هذا السند.. وهكذا وبالتالي اشتق من دين واحد عدد كبير من السندات «المشتقات»، حتى إذا عجز المدين الأصلي «المقترض» عن السداد انهارت جميع هذه المشتقات. ولما عجز قطاع عريض من المفترضين عن السداد «في القطاع العقاري تحديداً» أفلست كثير من المؤسسات الماليةوانهارت فظهرت الأزمة وانتشرت كبقعة الزيت بين المؤسسات العالمية على نطاق الكوكب بسبب المشتقات. ولم تقتصر الأزمة على الأصول والمؤسسات المالية فقط، بل تزداد المؤشرات يوماً بعد يوم بوجود بوادر للأزمة في الاقتصاد العيني. فإذا شبهنا الاقتصاد المالي بالقلب والشرايين بالنسبة للإنسان فإن المالية (القلب والشرايين بالنسبة للاقتصاد) تضخ السيولة في شرايين الاقتصاد المختلفة، وحدوث مشاكل تتعلق بها يؤثر بلا شك على الاستثمار والإنتاج والتشغيل...إلخ.
وهنا يتبين لنا أن الاقتصاد العالمي مبني على وهم مستندات مالية لا أصل لها. وقيمتها مرتبطة سياسياً بحجم الطلب، في سيل من المضاربات دون تسلم فعلي للمواد. هذه الشكليةمن التعامل يدحضها النظام المالي الإسلامي بروعته وواقعيته وشموله. وجاءت الدعوة السامية من خادم الحرمين الشريفين للمسلمين بتقديم الاقتصاد الإسلامي كنموذج بديل في مؤتمر حوار الأديان في وقتها المناسب. فشريعتنا الغراء تحرم التجارة بالدين ولا تعترف إلا بالأرباح التي تنتج من ممارسة حقيقية على الأصول العينية تجارة كانت أو إنتاجا، أما الأرباح التي تتولد من الأصول المالية ذاتها، نقوداً كانت أوغيرها في انفصام بينها وبين الأصول العينية فهي محرمة شرعاً. ويثبت الواقع العالمي يوماً بعد يوم أن أعلى درجات الكفاءة لن تتأتى للاقتصاد العالمي إلا بتفعيل هذا التحريم. العالم مهيأ الآن لتقبل نموذج بديل يخرجه من الأزمة، وكثير من ساسته واقتصادييه يشيرون بالتلميح أو بالتصريح إلى الاقتصاد الإسلامي. فهل يتحين المسلمون الفرصة ويكونون على قدر المسؤولية التي تضمنتها الدعوة السامية لخادم الحرمين الشريفين ويقدمون للعالم نظرية اقتصادية إسلامية واقعية معاصرة كنموذج بديل؟ وهل سيأتي اليوم الذي يصحو فيه العالم من ظلام متناقضات النظام الرأسمالي على نور الاقتصادي الإسلامي؟ «ويسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريبا»

د. رضا المنسى
أستاذ الاقتصاد والمالية المساعد 

 
 
  imag