English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
كاريكاتير
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 
 

الطريقة الآيخمانية لاعتناق اليهودية!

 في مدينة الهواء النقي (بيونيس آيرِس) ببلاد صنّاع الفضة, لم يختلف عمّا كان عليه من جد واجتهاد بماضيه: (ريكاردو كليمنت) يعمل بلا كلل أو ملل, وكأن آثار الزمن القاهر مجرّد رسمة على وجه طاعن في السن محمّل في طياته بِثَورات وتيارات ما بين مدّ وجزْر, خلّفتها براكين زمنية, وكتمتها عيناه بفضل تلك التجاعيد البائسة. ها هو يعمل في أحد مصانع تجميع سيارات (المرسيدس) كمراقب عمّال. هو (الرمز) بين زملائه ومرؤوسيه في إدارة الوقت, في مواعيده المقيّدة بالثواني, في الانتظام غدوّاً ورواحاً, في توجيهاته للعمال التي كانت أشبه بالأوامر العسكرية الصارمة!

لكن مع الأسف تلك النظامية التي كان عليها من مواعيد ثابتة دقيقة روتينية؛ سهّلت الأمر على الاستخبارات الإسرائيليّة (الموساد) بتتبّع تحركاته أينما ذهب وكيفما توجه بخطاه!! ففي شهر مايو من عام 1960م ضاقت به الموساد صبراً وذرعاً, وتم اختطافه بعملية دراماتيكية فنية, وبسرية تامة قاموا بترحيله إلى إسرائيل بغفلة من السلطات الأرجنتينيّة. كانت تلك العمليّة من أبرز العمليّات الناجحة للموساد التي رفعت أسهمها عالياً وذاع صيتها بين استخبارات دول العالم ولا تسعني الأسطر لسرد قصة اختطافه (المجنونة) ولا حتى كيفيّة ترحيله (الخيالية)!.

عندما وصل (كليمنت) إلى الأراضي الإسرائيليّة أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك (ديفيد بن جوريون) في خطابه أمام الكنيست بقوله: "يتعيّن علي أن أٌعلِن أنه في غضون فترة قصيرة عثرت أجهزة الأمن الإسرائيلي على واحد من عتاة المجرمين النازيين وهو أدولف آيخمان". إذن هو (آيخمان) المستشار لسياسة النازيين التي قتلت اليهود في المجر, والمسؤول الأول عن معسكر (أوشفيتز) أحد أكبر معسكرات اعتقال اليهود، وهو الذي تمكّن بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالميّة الثانية من إسقاط تهمة النازيّة عنه قبل محاكمات (نورمبرج) المختصة لمجرمي الحرب من الألمان, وذلك بمساعدة اليهودي (رودلف كاستنر) إذ كان ذلك ديناً عليه بعد قيام آيخمان بتهجير الآلاف من يهود المجر لإسرائيل عبر سويسرا بالاتفاق معه, وهرب آيخمان بعد ذلك سرّاً إلى عدّة دول, إلى أن استقر به الحال في الأرجنتين وتنكّر فيها باسم (ريكاردو كليمنت)!!

بعد اعتقاله بعام واحد حُكِم عليه بالإعدام شنقاً, بعد أن قامت المحكمة الإسرائيلية برفض طلب الاستشهاد بالدكتور كاستنر (رئيس الوكالة اليهودية بالمجر) وهو الشاهد على مساعدة آيخمان لليهود بإفلاتهم من نيران هتلر. وبعد أن علم آيخمان بمصيره المشئوم, وبأن الإعدام قائم لا محالة, طلب من السلطات الإسرائيلية السماح له باعتناق اليهودية, وعندما سُئِل عن الأسباب التي دفعته لذلك الطلب (خصوصاً أنه جاء قبيل إعدامه) رفض أن يجيب إلا أمام ممثلي الصحافة ووكالات الأنباء, وبالفعل وأمام عدسات المصورين, وقف آيخمان وارتجل قائلاً: «أردت اعتناق اليهودية ليس حباً فيها, ولا في إسرائيل, إنما أردت بذلك أن أهتف لنفسي أن كلباً يهودياً قد أُعدِم ليدرك من سبقوه من الكلاب وإنه لكم يسعدني قبل أن أموت, أن أوجه رسالة اعتذار إلى الإسرائيليين, تحمل كل ندمي وحرقتي, وأقول لهم بأن أشد ما يحز في نفسي أنني ساعدتكم على النجاة من أفران هتلر. إن أرض فلسطين ليست أرضكم ولا إرثكم, فما أنتم إلا عصابة من الإرهابيين والقتلة. ما كان لكم إلا الإحراق لتنجو الأرض من خبثكم وفسقكم. فذات يوم سيأتيكم هتلر عربي يجتث وجودكم اجتثاثاً, ويحرق عقولكم وأبدانكم بأفران النفط!!». صريحة جريئة نطقها بكل ما أوتي من نازيّة بدمه. وفي شهر مايو من عام 1962م شُنِق (أدولف آيخمان) وترك وراءه المؤرخين ليدوّنوا, ونحت بذاكرتي مقولته: «سيأتيكم هتلر عربي!!».

بعد إعدامه ببضع سنين وتحديداً في شهر يونيو من عام 1967م حدثت النكسة العربية بمباركة من الرئيس المصري جمال عبدالناصر لاعتبارات عدة لا تسعفني المقالة لتحبيرها وتم احتلال سيناء بالكامل حتى قناة السويس, إضافة لقطاع غزة والضفة الغربية ومرتفعات من هضبة الجولان. وأيقنْتُ بأن هذا الاحتلال ما هو إلا ردّ على (آيخمان) بأنه لا يوجد من يدعى بـ(الهتلر العربي)!!

«لماذا لا نحطم الحاجز النفسي الذي يفصل العرب عن اليهود؟» هكذا كانت دعوة الرئيس المصري الراحل أنور السادات, وكأنه يقصد بذلك ما يسمّى بـ(التطبيع) في وقتنا الحاضر. وأنا على يقين بأن السادات لم يرمِ تلك العبارة عبثاً, بل هو نتيجة تخطيط مستقبلي عَلِم من خلاله ألا نصرة للعرب -في الوقت الراهن- إلا من حيث التطبيع وغزو العالم الخارجي الغربي وقشرته الإسرائيلية بالإعلام, وتعريف شعوب العالم كافة والشعب الإسرائيلي خاصة بسقطات حكوماته ضد الفلسطينيين, ومن هذا ينبثق مشروع التنوير العربي للعالم أجمع.

أما إن رضينا بالهوان والاكتفاء بالاستنكارات الساذجة صباحاً, وترديد (أنا بَكْرَه إسرائيل) ليلاً, فليس علينا سوى كتابة فصل جديد نقهر فيه جبروت الصهاينة, ونرسم به ذُلّهم؛ ولكي يصار إلى تحقيق ذلك أتساءل: هل سيتم على طريقة (آيخمان)؟ أم سيكون لمجد تاريخ العبور الكلمة العليا في ظواهر العرب (الصوتية)؟ كلا السؤالين إيجابا أو سلباً ينبئان بالخيبة العظمى!!

سفر القحطاني

كلية الصيدلة

 
 
  imag