الانتقال إلى البحث
  English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

النقد.. وثقافة القبول والرفض


يظل الحكم على الأشياء الثابت منها والمتغير مرتقى صعباً مرهوب الجانب في التنظير والتطبيق، فالتربويون مؤمنون بأن مستوى الحكم والتقويم هو غاية الهرم المعرفي «البلومي» المعروف، والوصول إليه لا بد من أن تسبقه عمليات متداخلة من الاستيعاب والتطبيق والتحليل والتركيب.
وعلى المستوى الإبداعي والأدبي ظل النقد كذلك مسلكاً شائكاً، يلامس العابر من خلاله متغيرات شديدة الحساسية، فالمبدع مفتوح العين والأذن، ومثلما يراقب شبح النقد، لا يبارح هو أيضاً مخيلة الناقد، والمصطلحات والمفاهيم المهومة حينا والمبهمة حينا آخر، والمدارس المتداخلة والمتناقضة، كل ذلك يجعل من لا يمتلك المجداف والشراع قانعاً بالوقوف على الساحل وإن أجاد السباحة.
يذكر الدكتور عبدالعزيز المقالح في إحدى كتاباته أنه كلما هم بشيء من النقد تذكر قصة «ميشيل أنجلو» الذي طلب منه زميل له نقد إحدى لوحاته فكان جزاؤه أن هشمت أنفه، ليظل بلا أنف طوال الحياة، ولا شك أن حياة بلا نقد أيسر لدى القانعين من حياة بلا أنف، لكن تلك السلامة ستكون حتماً على حساب مشهد ثقافي مبتسر يختلط فيه الغث بالسمين، والصدف بالجيف، ولعل جملة من المتغيرات قد أفرزت مجتمعة تلك الرهبة التي ولدت دورها أزمة ثقة بين المبدع والمتلقي.
جمهور عريض يقف عند القشور ويمجد العنتريات ويقف على أطلالها، وناقد متخصص موغل في سفسطة المفهوم والمصطلح، نظريات عائمة ومبدع متحمس لنفسه يسهر الخلق من حوله ويختصمون فيما لا يقبل عمله الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
يتحلل كل ذلك التعقيد ويهون إذا تشربت الأفهام بثقافة النقد، النقد البناء البعيد عن شطط المجاملات والجرئ الصادق الذي يرى الأشياء من خلال مجهر أمين، قد يرى البعض من خلال عدسة زرقاء أو حمراء أو «سوداء» - لا سمح الله- فيرى الأشياء بلون عدسته، غير أننا حينما نؤمن بأن ما يقوم به الآخر عند حكمه على ما ننتجه، هو إما محاولة لمشاركة المنتج عملية الخلق والبناء، أو وجهة نظر نحسن إزاءها النية لنتفق معها أو نختلف - لا يهم-، حينها ندرك أن ليس من المعلوم بالضرورة أن نقف على طرفي نقيض.
وباستقراء التاريخ النقدي والأدبي لأي أمة تبرز هذه الحقيقة بجلاء، تزول التشنجات الوقتية والمواقف الحادة المعتملة بفعل تداخل الظرف والبيئة والذات والمصلحة، ليبقى بعد كل ذلك الجيد جيداً والردئ ردئياً، وتراثنا العربي حافل بمثل «موازنة الآمدي»، و«وساطة الجرجاني»، على اختلاف المعايير المحكومة بتباين المنهج والزمن.. خاض عباس العقاد في عراك نقدي مع شوقي ومدرسته، وحاول بقلمه العملاق تقويض شعر شوقي من الأساس، الشعر الذي مثل حينها صنما لا يكفر به أحد يحطمه العقاد بمثل قوله: لو ضربت قصيدة شوقي بعضها ببعض لطار كل بيت إلى صاحبه ثم لا يبقى له سوى الإطار الأجوف، هل تحيز الرجل؟ ربما، ولكن العقاد يفسر ذلك بنفسه، حينما عتب عليه البعض إشادته بشعر بعض صغار الشعراء، وتعنيفه على أمير الشعراء فقال: «من حقي أن أتذوق الجميز الطيب وأن أعيب التفاح الذي يعاب»، ومع ذلك يبقى الجميز جميزاً والتفاح تفاحاً.
وبالفعل فقد بقي شوقي أمير شعراء عصره وإن لم يشأ العقاد، وبقي العقاد الكاتب العملاق رغم أنف شوقي، هذه المفارقة تقول حقيقة واحدة بتعبير إخواننا المصريين - بتصرف-: «مستحيل نجعل من الفسيخ شربات»، وفي المقابل يستحيل أيضاً أن تصير «الشربات فسيخا»، وإن أريد له ذلك، فالأذواق السليمة كفيلة بأن تميز الخبيث من الطيب، وما جافى هذه الحقيقة فمرده إلى:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الحلو من سقم

أنور حيدر عبدالجليل
دراسات عليا- كلية التربية

 
 
  imag