الانتقال إلى البحث
  English
تسجيل الدخول | 
 الأولى
 
imag تخطي ارتباطات التنقل
الأخبار
الرأي
تحقيقات
حوارات
الطلابية
المتخصصة
الأخيرة

أخر عدد
 
 
 
كاريكاتير وصور
 

 

الأذن و بَرَمبَلول بِبَرَمبَلول ؟!


تحوي اللغة العربية ما يقارب أربعة آلاف جذر للكلمات بالمقابل لا تتعدى جذور اللغة الانجليزية  ثمانمائة جذر أي أنها بأقل تقدير خمسة أضعاف عدد الجذور كما أنه بالإمكان اشتقاق عشرات الكلمات من الجذر الواحد في اللغة العربية بينما لا يتعدى الاشتقاق غالباً في اللغة الإنجليزية أصابع اليد الواحدة. ليس هذا فحسب بل قد يحمل الجذر أكثر من معنى واحد مما يضاعف مفردات اللغة العربية ولعل من المناسب ذكر قصة جارية سيبويه. فيقال - والعهدة على الشبكة العنكبوتية - أن لسيبويه جارية أدّبها وعلمها النحو واللغة  وفي يوم من الأيام حضر أحد خصومه يود مقارعته فعندما طرق الباب أجابته الجارية،فقال لها: أين مولاك ؟ فقالت: «مولاي فاء إلى الفيافي عندما فاء الفيء وعندما يفيء الفيء يفيء إلينا بما أفاء الله عليه» كانت إجابة كالصاعقة على مسمع هذا الرجل. صحيح أنها كلمة واحدة لكن في كل مرة كان لها معنى والمقصود أن مولاها رجع إلى الصحراء للصيد في وقت الضحى وعندما «يفيء  الظِّلُّ» أي يرَجَعَ مِنْ جَانِبِ الْمَغْرِبِ إِلَى جَانِبِ الْمَشْرِقِ سوف يعود ويأتي لهم بما أعطاه الله من صيد وخير. الجميل في معاني هذه الكلملت أن بعضها قد ذكر في القرآن، فالفي بمعنى الرجوع ذكر في قوله تعالى (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ)، والفي بمعنى الظل في قوله تعالى ( يَتَفيَّؤُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلّهِ )، والفي بمعنى الغنيمة في قوله تعالى (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى).
الحمد لله أنني لم أكن ذلك الرجل،فأنا كما يقال «لا اعرف مكاني من الإعراب» حتى الآن، وقد كنت أقرأ القرآن، فمررت بهذه الآية (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) فلم أفهم معنى كلمة أذن في هذه الآية والمصيبة أني استشاري أذن، فبعد أن تخصصت في مجال الأذن وقمت بتدريس كل شيء عن الأذن إلا أنني اقف حائراً أمام معنى هذه الكلمة والتي وردت في كتاب ربنا ومررت عليها مرور الكرام عدة مرات ولم ألق لها بالاً. ووقفت أتأمل في حالي فقد وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا وكلي أمل أن لا أكون بلغة كتاب ربي شقيا.
في الحقيقة أنا أجهل طبيب باللغة العربية ولكن كلي أمل أن أكون أغيرهم عليها، كنت أخاف أن يسألني أحد طلبتي عن معنى الأذن في هذه الآية؟ فأقع في حرج والمدرج في مرج! و يصبح أمامي ثلاثة خيارات إما أن تسعفني رجلاي على الهرب أو أوبخه على هذا السؤال الغبي ليظن البقية أني أعرف الجواب أو أن أؤكد أن الأسماء لا تعلل والكيف مجهول، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة. أما أن أقول لا أعلم فهذا غير موجود في قاموس التعليم لدينا وأتمنى أن لا ننسى قصة برمبلول ببرمبلول ودعوني أقصها لمن لا يعرفها أو نسيها:
يقال إن طالب عِلم كان يقرأ من أحد الكتب أمام معلمه وزملائه فقال (ومن أنواع الربا بيع الذهب بالذهب والتمر بالتمر وبَرَمبَلول بِبَرَمبَلول) عندها سأل أحد التلاميذ المدرس ماهو البرمبلول فقال هذا المدرس العلامة هو نبات أصفر اللون حامض الطعم ينبت في أعالي جبال الصين،لكن الطالب عاد قراءة ما قال (ومن أنواع الربا بيع الذهب بالذهب والتمر بالتمر و بُرٍ... مَبلول ببُرٍ ...مبلول) عندها أصبح المدرس مبلول بعرقه.
رجعت إلى معاجم اللغة العربية وما أجملها من كتب فوجدت فيها الدرر. طبياً الأذُنُ : عضو السمع في الإنسان والحيوان، وهي مؤنثة،وتنقسم الأُذُن الى ثلاثة أقسام. الأذن الداخلية هي الجزء الداخلي من الأُذُن وتتكون من القنوات الهلالية المسؤولة عن التوازن والقوقعة المسؤولة عن السمع والتي يصلها الصوت عن طريق ثلاثة عظيمات هي المطرقة والسندان والركاب في الأذن الوسطى والتي تنفصل عن الأذن الخارجية بغشاء لطيف يعرف بطبلة الأذن. أما الأذن الخارجية فتتكون من الصيوان والقناة السمعية والطبلة. تصغيرها أُذَيْن وهو أحد تجويفي القلب العلويين وهما أيمنُ وأيسر يستقبلان الدم من الأوردة. هذا طبياً أما لغوياً فهذه الحروف الثلاثة متتابعة ( أ- ذ - ن )  لها عدة معاني متداخلة هي:
1- الإعلام والاشهار
أذَّنَ يُؤَذِّنُ تَأذِيناً وأذَاناً أي أكثر الإعلام به قال الله  تعالى (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ) وقوله تعالى (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ) وقوله تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ)  أَي إعْلامٌ،ومنها أيضاً أذان سيدنا ابراهيم قال تعالى (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) وروي أَن أَذانه بالحجّ كان : (يا أَيها الناس كتب عليكم الحجّ). أذن للصلاة: نادى داعيًا وهو الإعْلام بها وبوقتها كما قال جرير يهجو الأَخطل :
إنّ الذي حَرَمَ الخِلافَةَ تَغْلِبًا
جعلَ الخِلافةَ والنُّبوَّةَ فينا
هل تَشْهدون من المَشاعر مَشْعرًا 
أَو تسْمَعون من الأَذانِ أَذِينا؟
المِئْذَنَة هي المنارة يُؤَذَّن عليها و قيل الأَذينُ المكانُ يأْتيه الأَذانُ من كلِّ ناحيةٍ (اذين القلب يتجمع الدم فيه من كل مكان).
2- الرخصة والإجازة
أذِنَ يَأْذَنُ إذْناً وأذِيناً أي إِجازة الشيء والرخصة فيه والإباحة قال تعالى ( فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ)، فيقال في الاستئذان: بإِذنك، وعن إِذنك، وفي الشرع: فكٌّ الْحَجْر وإطلاق التصرف لمن كان ممنوعاً منه شرعاً، كما يقال (إذْنُ الصرف): ورقة مالية تتعامل بها هيئة الصرافة وجمعها أُذُونٌ .
3- العلم والمعرفة
أَذِنَ يَأْذَنُ إِذْناً وأذاناً وأَذَناً وأذَانَةً. أي علم بالأمر قال تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) المأْذون هو مُوَثَّق عُقُود الزواج والطلاق ومعلنها.
4- السماح والإباحة
أذِنَ يَأْذَنُ إذْناً وأذِيناً: سمح له وأباح قال تعالى ( فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ). الآذِنُ الحاجِبُ
5- السماع بتصديق
أَذِنَ إليه أَذَنًا استمع وصدق وفي التنزيل العزيز : (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) وتفْسيرُه أَن في المُنافِقينَ من كان يَعيب النبي،صلى الله عليه وسلم ويقول : إن بَلَغَه عني شيء حَلَفْت له وقَبِلَ مني لأَنه أُذُنٌ،فأَعْلَمه الله تعالى أَنه أُذُنُ - مصدق- خيرٍ لا أُذُنُ - مصدق-  شرٍّ. وقوله تعالى : (أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) أي مُسْتَمِعُ خيرٍ لكم، ثم بيّن ممن يَقْبَل فقال تعالى : (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) أَي يسمع ما أَنزَلَ الله عليه فيصدِّق به ويصدِّق المؤمنين فيما يخبرونه به، وقوله في حديث زيد بن أَرْقَم (هذا الذي أَوْفَى الله بأُذُنِه) أَي أَظهرَ صِدْقَه في إِخْبارِه عما سمعَتْ أُذُنه، وأَذِنَ له أَذَنًا اسْتَمَعَ، قال قَعْنَبُ بنُ أُمّ صاحِبٍ:
إن يَسْمَعُوا رِيبةً طارُوا بها فَرَحًا  
منّي، وما سَمعوا من صالِحٍ دَفَنُوا
صُمٌّ إذا سمِعوا خَيْرًا ذُكِرْتُ به  
وإنْ ذُكِرْتُ بشَرٍّ عنْدَهم أَذِنوا
و ذو الأذنين لقب لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك و معناه الحض على حسن الاستماع والوعي،قيل إن هذا القول من جملة مزحه صلى الله تعالى عليه وسلم ولطيف أخلاقه كما قال للمرأة عن زوجها أذاك الذي في عينه بياض.
6- العُروة
أُذُنُ كلّ شيء مَقْبِضُه، كأُذُنِ الإِبريق والْجَرَّة والدَّلْو
وختاماً لا ننسى أن الأذْنُ  تَعْشَقُ قَبْلَ العَيْنِ أَحْيَاناً،فاللهم اجعلنا محبين لكتابك وعلمنا منه ما جهلنا وذكرنا منه ما نسينا واجعله شاهداً لنا لا علينا.
هذا والله أعلم وأحكم
د. عبدالرحمن  عبدالله حجر
المشرف على كرسي بحث الإعاقة السمعية وزراعة السماعات
http://faculty.ksu.edu.sa/drhagr

 
 
  imag