ضمان الجودة في الجامعة.. مشكلات وتحديات
قد يتساءل البعض عن مضمون هذا العنوان ولماذا نركز على المشكلات والتحديات بدلا من ذكر الايجابيات.. لعل مثل هذا التساؤل يذكرنا بالكثير من البرامج التي لم يكتب لها النجاح في عالمنا العربي لإغفال القائمين عليها للمشكلات والمصاعب التي واجهتها، فالتغلب على المشكلات يغنينا عن الجهد المبذول في تبرير الفشل.
في هذه المقالة سأستعرض باقتضاب بعض المشكلات التي من المتوقع أن تواجه إستراتيجية تطبيق الجودة في جامعتنا العزيزة حرصا عليها وانتماءً لها، وذلك من واقع تجربتي وخبرتي في مؤسسة دولية قامت بتنفيذ ضمان الجودة في مؤسساتها التعليمية. ولكن في البداية لا بد من توضيح مفهوم ضمان الجودة (Quality Assurance) والذي يعرف بأنه: منحى نظامي يقوم على بناء الجودة في مكونات النظام نفسه، أي مدخلاته وعملياته ومخرجاته لكي نضمن أن الموارد تنفق وتوجه وفق الخطط والأهداف والمعايير ومؤشرات الأداء المتفق عليها بهدف تحقيق المزيد من التحسين وبصورة مستمرة، لإنجاز أهداف ذات قيمة عليا.
ولكي تنجح عملية تطبيق هذا المنحى النظامي لا بد لجامعتنا أن تضع إطاراً محدداً للجودة (Quality Assurance Framework) يتضمن في جزئه الأول دليلا إرشاديا وتنفيذيا وتدريبيا ويتضمن في جزئه الثاني وثيقة مكتوبة شاملة تتضمن مجالات وجوانب عمل الكليات والأقسام وكذلك المعايير ومؤشرات الأداء المعتمدة لضمان الجودة فيها.
ولكن قبل البدء بتنفيذ الخطة الإستراتجية لضمان الجودة لا بد من التـنبه إلى بعض التحديات والمشكلات التي من المتوقع أن تواجه منفذي الإستراتجية قبل وأثناء التنفيذ وسأسرد بعض المشكلات المتوقعة مقترحا لبعضها الحلول ومؤجلا حلول المشكلات الأخرى لمقالات لاحقة إن شاء الله.
أما أهم المشكلات التي من الممكن أن تواجه التقدم نحو جودة التعليم في جامعتنا فهي:
- الصياغات غير الدقيقة لرسالة ورؤية الكلية أو القسم.
- مقاومة التغيير ورفض التجديد والتطور من قبل البعض.
- كثرة عدد معايير ومؤشرات الأداء وعدم كفاية المدة الزمنية لإنجازها.
- ضعف التواصل في مجال تطبيق وفهم الجودة بين مختلف درجات السلم الوظيفي في الجامعة.
- حجم الأعباء الأخرى الملقاة على عاتق المسؤولين المشرفين على تطبيق إطار ضمان الجودة من رؤساء الأقسام وعمداء الكليات ووكلاء الجامعة.
- صعوبة تشكيل فريق التطوير في مجال الجودة وتفعيله على مستوى القسم أو الكلية.
- ضعف الثقة بين الشخص المشرف على التطبيق والمنفذ له.
- ضعف الثقة بآراء الطلاب عند دراسة اتجاهاتهم وتعبئة الإستبانات.
- صعوبة الربط بين الخطة التطويرية للكلية أو القسم المعدة سلفا ومعايير ضمان الجودة.
- التساؤل باستمرار عن طريقة توثيق المعايير ومؤشرات الأداء والأدلة.
- غياب تبادل الخبرات بين المشرفين على ضمان الجودة أنفسهم في الأقسام والكليات والدوائر المختلفة.
- وضع أعضاء هيئة التدريس والموظفين غير المشاركين في فريق التطوير في مجال الجودة.
- ضعف الموارد المالية اللازمة لتنفيذ ضمان الجودة بشكل فعّال في بعض المناطق، ونقص الأدوات والوسائل السمعية والبصرية.
- غياب نظام للمعلومات والاتصال والمراسلات... وغيرها.
وكما ترى عزيزي القارئ فإن مناقشة هذه المشكلات يحتاج إلى مساحات كبيرة يضيق بها المجال هنا لذا سأناقش المشكلة الأولى والثانية تاركا الحلول للمشكلات الأخرى لمقالات قادمة..
المشكلة الأولى- الصياغات غير الدقيقة لرسالة ورؤيا الكلية أو القسم:
الرسالة هي نص واضح ومكثف يصف ما تقوم به المؤسسة في الوقت الراهن وطبيعة ونوع الخدمة التي تقدمها لأبنائها وما تتميز به هذه المؤسسة عن غيرها في مجال أو مجالات معينة، وهي تنبثق من رسالة المؤسسة الأكبر كوزارة التعليم العالي مثلا، وكذلك رسالة الميدان وترجمتها خططاً وأساليب عمل فعّالة.
أما الرؤية: فهي نظرة مستقبلية تمثل طموح المؤسسة وحلمها الواقعي القابل للتحقيق استناداً إلى خططها المتتابعة التطويرية والإبداعية، وتكون أيضاً منسجمة مع رؤية المؤسسة الأكبر ورؤية الميدان.
وإن العلاقة بين الرسالة والرؤية يجب أن تكون واضحة ويجب أن يكون المفهومان واضحين في الأساس. وإن اشتقاق رسالة القسم من رسالة الكلية من رسالة الجامعة وصولاً إلى المصادر المؤسسية الأعلى، يعني أن الجميع يعملون في مسار متكامل يحقق الرسالة الكلية الشاملة، وتصبح الخطط والنشاطات والمراجعات والتحسينات المخططة جهوداً فعالة لتحقيق الرسالة، تمهيداً للوصول إلى الرؤية المرغوبة، ولا يمكن الوصول إلى الرؤية بالتمنيات، بل بالعمل المخطط والدؤوب لتجاوز الذات بين الحين والآخر والاستجابة الفعالة للمتغيرات والمستجدات التربوية والتعليمية والتقنية، ولا يمكن أن نصوغ رسالة سليمة ومشتقة من رسالة الجامعة، وفي الوقت ذاته نضع خططاً ونشاطات ليست ذات صلة بالنص الذي يعبّر عن رسالة القسم أو الكلية، عندها لن نصل إلى تحقيق الرسالة ولا الرؤية.
لذا أنصح بضرورة صياغة رسالة القسم أو الكلية صياغة دقيقة واضحة مكثفة تمثل استيعابنا لما نقوم به الآن وما نحلم به غداً من خلال التخطيط والإنجاز المتميز.
المشكلة الثانية- هناك من يقاوم التغيير ويرفض التجديد، فما العمل؟
إن مقاومة التغيير ظاهرة قائمة في دول العالم أجمع، وينبغي ألا تحبط المؤمنين بضرورة التغيير والتطوير، فالإصغاء الجيد لكل الآراء المعارضة للمستجدات الإدارية والتعليمية والتربوية ومعرفة أسبابها ومنطلقاتها ودراستها يفيد كثيرا، لأنه من الضروري جداً احترام هذه الآراء ومناقشتها مناقشة علمية موضوعية مقنعة، مع التركيز على مزايا التجديد مقارنة بالأساليب التقليدية، بالإضافة إلى تيسير عمليات التغيير والتدرج فيها وتبسيط مفاهيمها وإجراءاتها، وتبديد مشاعر القلق والخوف والعجز لدى البعض، ودعوة الجميع للانخراط في عمليات التغيير والتجديد وتقويم النتاجات وعدم قصرها على البعض فقط مع تقديم التغذية الراجعة باستمرار، والتركيز على التحسين المخطط المتواصل، ولا ننسى أن التعزيز والدفع والثناء أساليب فعّالة في تقليص مقاومة التغيير.
د. خالد عرب
كلية العلوم الإدارية والإنسانية بالمجمعة