مبصر في رحلة العميان

أنور عبد الجليل
قادني الفضول لسؤال قائد الحافلة، المحاذية لمسجد الإسكان بعد الانصراف من صلاة العصر: إلى أين؟ فأجابني-على طريقته-: «جنادرية.. جنادرية»، لم أتردد كثيراً أو قليلاً في اتخاذ قرار زيارة مهرجان الجنادرية، المهرجان الثقافي التراثي الذي طالما سمعت عنه وتمنيت أن أشهده.
دلفت إلى الحافلة وتخيرت مقعداً وسطاً، كان البص شاغراً إلا مني والسائق، وطالب كفيف في المقعد الخلفي، كانت على المعقد المجاور نسخة من «رسالة الجامعة» شرعت في مطالعة صفحاتها منتظراً حتى امتلأ الباص أو كاد، التفت يميناً فإذا الذي بجواري كفيف والذي أمامي كان كفيفاً أيضاً وعلى باب الحافلة كفيف آخر متأخر يحيي الركاب فيجيب الجميع: «حياك يا بوفلان» وقفت ملاحظاً فإذا كل من في الباص عميان، انكمشت في المقعد بهدوء محاولاً الانسحاب قبل انطلاق الباص فصادف ذلك صعود المشرف «المبصر» الذي رحب بي في رحلة المكفوفين إلى الجنادرية، قلت في نفسي: لعلي أساعده في بعض المهام، ثم نهرت السائق بصوت خافت: لم لم تخبرني أن الرحلة خاصة بالمكفوفين؟ فرد قائلاً: «أنت فيه نظارات سوداء أنا ما في شوف».
ما إن دارت عجلات الحافلة حتى دارت رؤوس العميان جميعاً، ما بين هازج ومردد وضارب بالدف ومصفق.. في تناغم بديع، وتناسق أخاذ وأصوات رخيمة، ما أن يتغير المقام بجواب أو قرار لدى صاحب الصوت حتى يتغير الإيقاع لدى ضارب الدف وتبادلت أذني وعيني الاهتمامات فلم أصدق أن ذلك الدف الرنان لم يكن في الحقيقة سوى جزء في أحد جوانب الحافلة لا يدركه إلا ذلك الأعمى المنكب على الضرب بنشاط وخبرة وانسيابية تحكي شيئاً من مقطوعات «ياني»، وأنا كالأطرش في الزفة، تنقل الجميع بين ألوان الفلكلور الشعبي في أعمال وطنية وتراثية أصيلة، وألوان شعبية غاية في الروعة من الحداء والأهازيج، ومواويل أخرى شامية وعراقية، كل ذلك باقتدار فذ على التقليد وحسن الاختيار، وحفظ الأبيات، ومراعاة التوزيع بين الشفتين والخيشوم والفرقعة والمكاء والتصفيق.
لم أملك إلا أن دار رأسي، ورفعت صوتي النشاز بين أصواتهم المتناغمة، فلمزني جاري الكفيف - الملتزم الوحيد- الذي ظل يتمتم طوال الرحلة: «استغفر الله، ما هذا المنكر!» فآثرت الإنصات.
وصلت الحافلة بوابة الجنادرية في وقت قياسي فقد ترنح السائق ومعه الحافلة طرباً ونشوة، وما يزال الجميع في مرحه وظرفه بحميمية صادقة لم أجدها في رحلة الأسبوع المنصرم مع معشر المبصرين إلى معرض الكتاب والتي لم أسمع فيها غير رنين الجوالات ولم أتعرف فيها حتى على اسم جاري في المقعد.
نسيت اليوم أنني مبصر- عفوا أعمى بين مبصرين- فالشيء الوحيد الذي أثبت عمى القوم هو مواصلة أهازيجهم بعد أن استقر البص وسط زحام الجنادرية، وحين النزول من الحافلة أردت أن أساعد أحدهم فنهرني بأنه لا يحتاج إلى مساعدة، أخذت رقم جوال المشرف وانصرفت، وانتشروا بين الزحام زرافات ووحدانا.
أدهشني المهرجان وأدهشني الحضور.. كل ما في الجنادرية يعبق بأريج تراث نابض وأصالة حضارة عريقة.. النار تشب والخيام تضرب، ودلال القهوة العربية تفوح، ومجامر العود تكلل هام الضيوف بسحب منعشة «شعار» ومحاورات، وشباب مرح بأيديهم عصي الخيرزان، كل ألوان التراث والثقافة والفن رأيته ماثلاً في الجنادرية فأنشدت:
تمتع من شمام عرار نجدٍ
فما بعد العشية من عرار
اقتنيت بعض الكتب من معرض صغير لكنه أرحم سعراً من المعرض الدولي للكتاب، واشتريت شيئاً من كليجا القصيم وتمره السكري، وخيزرانة رشيقة أتمثل بها دور العميان/ المبصرين.
حين اقتربت الساعة من الثامنة والنصف مساء، وهو الموعد الذي حدده المشرف أخذت ألف وأدور بحثاً عن البوابة دون جدوى، فلم تجد نظارتي ولا عصاي، لو لا اتصالي بالمشرف الذي أرشدني للمكان.
توقعت أنني سأنتظر طويلاً ذلك العدد الكبير من المكفوفين/ المبصرين وحين ولجت الحافلة فوجئت أن الجميع كل في مقعده، كانت عصاي هي الوحيدة، وأنا المتأخر الوحيد الأعمى الوحيد.
وتبقى الجنادرية في ذاكرتي لوحة مدهشة غير أن الأكثر إدهاشاً كانت بصيرة أولئك المكفوفين/ المبصرين، وقدراتهم وإمكاناتهم وبديهتهم و..و..سبحان الله.
عاد الجميع وحمدت الله على السلامة ونعمة البصر، وسألته نعمة البصيرة والسداد في القول والعمل، إلى اللقاء في رحلة قادمة.
دراسات عليا- كلية التربية