ازدحام من أجل الثقافة والكتاب

عندما نسمع كلمة ازدحام فإن أول ما يتبادر للذهن الازدحام المروري الخانق المرهق للأعصاب الذي نكابده كل يوم ونحاول جاهدين الفكاك منه بتبكير أو تأخير تارة أو اكتشاف طرق بديلة تارة أخرى، وإن كان ذلك لا يجدي في أغلب الأحيان إلا أن الحديث هذه المرة عن ازدحام من نوع آخر وفي مكان آخر غير الشوارع والطرقات، أعني بذلك الازدحام الشديد من أجل الثقافة والكتاب الذي شهده المعرض الدولي للكتاب الذي أقيم مؤخراً في مركز المعارض في الرياض على طريق الملك عبدالله والذي يشهد بدوره زحاماً للسيارات بسبب أعمال التوسعة وحفر الأنفاق والتحديثات الجارية على قدم وساق وتتواصل على مدار الساعة.
عندما ذهبت بعد عصر يوم خميس مصطحباً أفراد عائلتي لأول مرة في هكذا مناسبة إلى المعرض كنت أتوقع زحاماً كما هو معتاد في مثل هذه الأنشطة الثقافية التي ينتظرها كثيرون بفارغ الصبر، ولكني لم أشهد مثيلاً لهذه الجموع في ذلك اليوم في حدث كهذا من قبل، كانت قاعة المعرض الفسيحة تعج بروادها من الرجال والنساء والشباب والأطفال من كل الأعمار حتى إنك لا تكاد تجد لنفسك موطئ قدم من كثرة الناس ومع ذلك تتلمس شعوراً بالرضا وعدم التذمر من الجميع.
في الركن المخصص للأطفال كان هناك العديد منهم برفقة ذويهم يقبلون على الكتب الخاصة بهم يقلبون صفحاتها كما يفعل الكبار ويختارون ما يحبون، وفي كل مكان تجول فيه تجد أناساً يحملون أكياساً منتفخة بما تحتويه، وآخرون يجرون عربات تتكدس عليها عشرات الكتب التي ابتاعوها في مشهد يدلل على أن حب الكتاب والرغبة في اقتنائه ومجالسته ما زالت عميقة وراسخة في وجدان الناس وعقولهم على الرغم من كل المنافسة الشرسة التي يلقاها من وسائل القراءة الإلكترونية الحديثة من الإنترنت وغيرها.
شاهدت عناوين مألوفة لكتب عريقة عرفتها من قبل وإن كان البعض منها هذه المرة في حلل جديدة زاهية من الطبعات بفضل التقدم الكبير في وسائل الطباعة والرسم والتجليد وشاهدت عناوين جديدة وجريئة في كل حقول المعرفة والإبداع الفكري في دلالة واضحة على اتساع مساحة الحرية التي صار يحظى بها الفكر والكتاب.
كانت أجواء مميزة بما تزخر به من نشاطات متعددة من محاضرات ولقاءات بين قراء وكتاب وتبادل للآراء ومقابلات ولقاءات إعلامية حية مع مثقفين ومسئولين وشراء للكتب في كل العلوم والتي ينقل فيها المبدعون من الناس علمهم وفكرهم ورؤيتهم وخبرتهم لغيرهم من الناس في كل أمور حياتهم.
لمست من هذا الإقبال الذي بدا لي غير مسبوق بكل هذه الحشود الغفيرة من الناس رغبة شديدة وشوقاً لمثل هذه التظاهرات الثقافية وعشق لا يفتر للكتاب لم تغيره كل وسائل التكنولوجيا الحديثة التي جعلت القراءة والمعرفة متاحة بسهولة لكل فرد في بيته في ظاهرة مشجعة تعكس شغف الناس بالتزود بكل ما هو جديد في الفكر والإبداع وكل العلوم ورايتها رسالة لا تخفى للمسئولين لكي يكثروا من مثل هذه الأنشطة الثقافية وان لا يقصروها على مكان واحد فهي وسيلة ميسرة للناس لاقتناء ما يرغبون به من كتب بأسعار تنافسية وتحت سقف واحد ومكان للتواصل مع الآخر والاطلاع على ثقافته إضافة لكونها فرصة سانحة لكل أفراد العائلة لكسر الملل والروتين اليومي للحياة وقضاء وقت مفيد وممتع في أجواء تعبق بالثقافة والجمال.
عاهد علي الخطيب
جامعة الملك سعود-الرياض