نعم الطلاب لهم الفضل في تطوير مقرر الفنون الإسلامية
التواصل مع الطلاب هو الوزن المهم فى كفة ميزان التعليم الناجح وليس التعليم الجيد. فقد كتبت رسالة شكر للطلاب والطالبات عند نهاية العام الدراسي (1429-1430) لكي يكونوا على ثقة أن جهدهم أثمر وهو محل تقدير. وأنا هنا أضع الرسالة فى هذا المقال المتواضع لكي تصل إلى جميع طلاب الجامعة لأن المحتوى ربما يقدم لنا جمعيا ثقافة لم تكشف بعد عن الدور العظيم الذى لعبته الفنون الإسلامية فى التربية والتعليم. وبدون شك ان هذه الرسالة لن تحقق الهدف ولكن أرجو أن تكون العنوان و الدليل لاكتشاف هذا الطريق.
لقد سار الفن الإسلامي بسرعة تثير الدهشة من المدينة المنورة إلى الصين وإلى الأندلس ينشر بثبات رسالة القرآن التى تدعو للعلم والمعرفة ويفتح آفاقاً رحبة للتعبير الفني عن التجارب العلمية فى مجال الهندسة والطب وغيرها من العلوم.
وفي عالم اليوم دخلت تجارب الفنون هذه بقوة فى مجال تصميم الأجهزة الطبية وجراحة التجميل وتطوير أساليب العمارة إلى جانب تصميم برامج الحاسب. الأمر الذى جعل الكثير من المهتمين يتساءل ما هو السبيل لاكتشاف هذه الثقافة الحاضرة الغائبة والتى تطورت وازدهرت على نفس الأرض التى نعيش عليها اليوم. وهذا ما حاولت التعبير عنه في مقال باللغة الإنجليزية تحت عنوان ( أين مكان الفن في مدارس الطب لدينا) نشر في (Saudi Gazette "a place for art MD schools"،Thursday 24-4-2008)
وأنا اعترف أن الفضل يرجع للطلاب حيث إن العمل معهم يشجع على التفكير في مثل هذه الأسئلة.
لذا أشكر جميع طلاب و طالبات مقرر الفنون الإسلامية على المجهود الكبير الذي بذلوه ، وقد ظهر هذا في مستوى التطور الذي تحقق في فهم مادة المقرر.
حيث تفاعل الطلاب مع مشروع القراءة الذى وضع بهدف دراسة الفنون الإسلامية من منظور ورؤية مستقلة ومتحررة. فالقراءة المقترحة كانت موجهة إلى التفكير في نقد بعض الآراء والمعايير التي حجبتنا طويلا من الدخول مباشرة إلى عالم الفن الإسلامي ليس لفهم قيمه الفنية والجمالية فحسب وإنما لفهم رسالته التربوية التى ساهمت لعدة قرون في نشر العلم والمعرفة بين الأمم.
فلا زالت كثير من الدراسات المعاصرة تتجاهل البحث فى موضوع الرسالة التربوية للفن الإسلامي، حيث ذهبت بنا بعيدا وصرفت وعينا عن بحث هذا المصدر المهم إلى التنظير التاريخي عندما اعتبرته أما امتداداً أو مجرد تطور في الأسلوب لفنون الديانات السابقة والحضارات القديمة التي ازدهرت قبل الإسلام.
وتمثلت هذه الآراء بالتحديد في أقوال بعض الأكاديميين والمؤرخين الغربيين أو من تبنى أفكارهم.
فمنهم من حاول دراسة الفنون الإسلامية ليس من منطلق وحدة التاريخ الإسلامي. بل رأوا في الموروث الثقافي والتراث الفني دليلاً مادياً يمكن من خلاله إعادة كتابة التاريخ السياسي والاجتماعي للمسلمين. فمن المنظور العلماني الغربي الإسلام لا ينظر إليه على أنه دين نابع من مصدر وحي إلهي وإنما دين مختلف تطور نتيجة عوامل سياسية بعد ظهور العرب على مسرح التاريخ كقوة مهيمنة نشرت الإسلام بحد السيف.
وهكذا قسم التاريخ الإسلامي حسب المزاج الغربي إلى حقب وعصور تختلف مسمياتها. فظهرت دراسات كثيرة تحت عناوين الفن الأموي والعباسي والفاطمي والعثماني إلى آخره من المسميات التي لا نجد لها أصلاً في مصادر التراث والتاريخ الإسلامي. فعلى سبيل المثال ابن خلدون في مقدمته يقول (بجغرافيا القرآن الكريم ) أهل المغرب وأهل المشرق فهو لا يرى هذه الحدود التي تصورها الكتاب الغربيون عن قصد لأنها تتناسب مع أهداف وأطروحات الدراسات المشار إليها .
ومع الأسف ما تصورته وسعت إلى نسجه الذهنية الغربية أصبح هو المنهج الذي نقرأ به التاريخ الإسلامي. حيث نجد لدينا في المعاهد العليا والجامعات في العالم الإسلامي تخصصات ومراكز تبحث في موضوع التاريخ والأدب والفن الإسلامي من منظور السياق السياسي والقومي وأصبح هذا المفهوم الهدف الذي يحدد منهج الدراسات ونتائجها.
المهم أن مثل هذه الدراسات والآراء لازال لها أثر سلبي على وعي وفهم المتلقي . حيث ارتبط في اللا وعي أو في أذهان الكثير منا اليوم أن الفن الإسلامي يمثل تاريخ صراعات سياسية وعرقية. وأدى سوء الفهم هذا إلى عدم معرفة وإدراك رسالة الفن الإسلامي التي تعبر عن الوحدة التي هي من صلب تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. حيث إنها رسالة إنسانية تتجاوز كل ذلك وتلغي حدود الزمان والمكان حتى تذوب الفروق وتختفي الهوية ويظهر كل ما يوحد بين البشر.
ولكن يجب الإشارة إلى أن هناك دراسات مهمة ومستقلة قام بها العديد من النقاد والمؤرخين الغربيين الذين تحرروا من الأيدلوجيات والمناهج المحدودة. لذلك كانت آرائهم عن الفن الإسلامي موضوعية ومفيدة جدا. فى هذه المقالة لا يتسع المجال لذكر هذه الأعمال لأنها تتطلب إعطاء الكثير من التفاصيل. و لكن على سبيل المثال صدرت دراسات حديثة أجراها باحثون من جامعة هارفرد الأمريكية حاولوا فيها تحليل أعمال الفنون الإسلامية بالنظر إلى محتواها الفني للكشف عن سر ارتباطها بعلم الهندسة والرياضيات وعلم الفيزياء والكيمياء.
وهذا يقودنا للقول أن الفن الإسلامي ليس فن تعبير عن عواطف أو تجليات ذاتية نابعة من خيال الفنان فقط وإنما فن يعبر عن توجه مشترك نابع من تعاليم القرآن هدفه العلم والمعرفة.
إننا لو توجهنا إلى دراسة الفن الإسلامي بعقول متحررة لن نجد في موضوعاته ما يصور خلود الإنسان في هذه الدنيا أو إبراز قوته أو هويته كشاهد على العصر والتاريخ . كما أننا لا نجد الفن الإسلامي يمجد الإنسان ويصور انتصاراته. إنه فن يقول بمنهج وأسلوب متعدد لا يختلف جوهره وإن اختلف الزمان والمكان (أن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى أعمالكم) .
إذا ً الوعي بأهمية ودور الفن الإسلامي فى التربية ثقافة لم تكتشف وأرجو من الجامعة دراسة هذا المشروع كهدف إستراتيجي مهم يساهم في نجاح برامج التطوير والجودة.
تحياتي لكم وكل عام وأنتم بخير
د. سالم الغيثي
قسم التربية الفنية
Salem_algheithy@hotmail.com