الندوة السعودية الفرنسية لحوار الحضارات
كلمة المنسق العام للندوة
أ.د. سعيد بن فايز السعيد
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،
صاحب المعالي وزير التعليم العالي راعي الحفل نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله.
أصحاب السمو والفضيلة والمعالي والسعادة، أيها الحضور الكرام، أما بعد،
يتساءل المرء ماذا يمكن أن نجني من تنظيم ندوة في حوار الثقافات وقد انعقدت من قبل أيّام ثقافية وندوات وقمم في مسألة استنفذها البحث أو كاد؟ لماذا نراجع النظر في موضوع أو مفهوم كان منذ محاورات أفلاطون قد تجندت له الأقلام والاتّجاهات وتتابعت الفِكَرُ والتحاليلُ تقلُِّب النظر في مختلف أبعاده؟ ألا يبدو غيرَ مُجدٍ أن نعقدَ لقاءً يتحاور فيه جهابذةُ أهلُ الاختصاصِ لا سيّما أنّ سلسلة الحروب التي تقوّض جسور التواصل لم تخبُ نارها يوما؟ لقاء، نقاش، مفاوضات، حوار شمال جنوب، حوار الدول الغنية والدول الفقيرة، حوار أتباع الأديان والحضارات، ألا يجدر بنا أن نهنّئ بعضنا لما أحرزنا من التقدّم في مظاهر الحوار ومسائله ثمّ نصرف جهودنا إلى قضايا لقاءات علمية أخرى تتجاوز آفاق التنظير إلى مجالاتِ الإنجاز والتفعيل؟
نعم فعلى هذا الأساس جاءت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله – التي شكلت منعطفاً مهماً في مسيرة التاريخ الإنساني وقطعت الطريق على أولئك المتشنجين من دعاة صراع الحضارات.
لماذا الحوار وما هي أهدافه؟ هل نعتزم بناء مجتمع سلام وانسجام طالما بشّرت به البرامجُ السياسية؟ ألا يفصِحُ هذا المشروع عن حلم مثاليّ في تصوّر مجتمع سلام يحكمه الانسجام والتآخي وتجمعه وحدة القيم والمبادئ ويحمله حلمُ المساواة التي تعقِل الخلافاتِ؟ ألا يثير هذا الحلم المثاليّ بعضَ الارتيابِ في هذا التعصّب الإيديولوجي المتأسّس على أحادية العولمة ومزاعم الكمال؟
وبعد, ما الذي يجعل الحوار ضرورةً ملازمةً للمنزلة الإنسانية؟ ألا يجلو التشابهُ الظاهر بين المجتمعات من وجوه التغاير ما يجلو من وجوه التشاكل أو أكثر؟ لماذا نطلب الآخرَ ونروم اكتشافه و الإنصاتَ إليه والحال أنّنا قلّما ننصت إلى ذواتنا؟
إنّ الحوار على الحقيقة لا تنجزه إلاّ مجتمعاتٌ عميقةُ الإنغراس في هوياتها الخاصة. الهوية، حلم مثالي هو الآخر، وربّما كان الإخفاق الذي وجده هو الأصل في شيوع حلم الاختلاف. نعم، الاختلاف حلم مثالي لأنّه ينمو معترضا على حركة العولمة المهيمنة، ولأنّه يتطلّع إلى اعتماد التعدّد قيمةً نوعيةً تسوس التنوّعَ والتغايُرَ ولا تعدّه ظرفا فوضويا ينبغي تجاوزه، وهو حلم مثاليّ لأنّنا لا نقدّر مدى الحرج الذي يضطرب فينا والقوى الداخلية الكامنة التي تعطّل واجب النقد الذاتي وتجاوز الذات وواجب التطلّع الصادق إلى الآخر. لقد حان الوقت الذي ينبغي أن يغادر الحوار والاختلاف جدلية التقابل أو اختزال أحدهما في الآخر.
بلى، الحوار واجبَ.أَ فَلَيْسَ حقيقا بنا وأحوالنا تلك أن نؤسّس الحوارَ على مبدأ الانسجام الخلافي وأن نكرّس منّا الخيالَ في طلب الآخر طلبا يُصرّف المتنوّعَ الثقافي وأنماطَ الحياة تصريفَ الاستثمار المشتركِ حتّى تغدوَ المثاليةُ منغرسةً في واقع الاختلاف في غير ما تحوّلٍ لحقّ الاختلاف إلى واجب الخلاف والنزاع.
إنّ المسائل التي تجعل الحوار أمرا متأكّدا أكثرُ من أن تُحصى. وليس الرهان اليوم في أن نتطلّع إلى أن يرتقي الآخرُ إلى مراتب الفضيلة الحضارية فحسب، وإنّما هو خاصة أن نعمل جميعا لتشييد مجتمع إنساني جديد تتفاوض أطرافه على أساس من العدل، وتسافر فيه الثقافات في غير ما إنكار أو استهجان، ويشارك فيه كلّ الأفراد، في مختلف الأنشطة الإنسانية مشاركة الحرّية والكرامة.
تعالج ندوتنا هذه قضايا هامة تندرج في إطار الاختيارات العلمية السالفة.
فنولي عنايتنا في المحور الأوّل إلى مسألة السلام وكرامة الإنسان وما يقتضي تأمين مستقبل السلام من تحرّر من العنف والإرهاب والتطرّف ومن كلّ ما يهدّد كرامة الإنسان.
وتناقش ندوتنا أيضا قضايا الصور النمطية للآخر، وهي صورة مشحونة لا شكّ بالكثير من الأحكام المسبقة والأوهام المعطّلة للحوار. وستعمل ندوتنا على مراجعة هذه التصوّرات النمطية وتنقيتها من كلّ ما يكبّلها ويحجب الذات عن الآخر.
ونهتمّ أيضا بالثقافة و حوار الحضارات. وستعمل الندوة على تكريس سبل تفعيل التبادل الثقافي وتفعيل الدور التواصلي الإنجازي استثمارا للحوار النظري السالف.
ويمثّل دور التعليم في تفعيل الحوار بين الحضارات قضية هامة من قضايا ندوتنا. وسيحاول المشاركون في هذه الندوة من خلال هذا المحور التفكير في اتفاقيات شراكة علمية وبحثية وسبل إنجاز مشاريع مستقبلية من خلال إيفاد الأساتذة والطلبة على كلا البلدين وتبادل الخبرات التعليميّة.
أمّا المحور الأخير فيناقش صناعة المشترك واحترام التنوّع الثقافي. ونهتمّ فيه بمسائل التعدّدية الثقافية والطرق التي تنتشر بها ثقافة التعدّد والتسامح.
وفي الختام أرجوَ التوفيق لأعمال هذه الندوة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.