خطاب فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية بمناسبة افتتاح
الندوة السعودية الفرنسية لحوار الحضارات
(من 7 إلى 10 مارس/آذار 2009)
سيّداتي سادتي،
يقدّم لي هذا المنتدى الفرنسي-السعودي الذي يحتفي بديناميكية علاقاتنا الثنائية وبثروتها، مناسبة طيّبة لأوّجه رسالة صداقة وتقدير إلى الشعب السعودي.
لم تكن يوماً العلاقات القائمة بين بلدينا في هذا المستوى من الأهمية والثقة. لهذا السبب، قرّرت العودة إلى المملكة العربية السعودية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعد الزيارة التي قمت بها في شهر يناير/كانون الثاني 2008. إن المملكة العربية السعودية شريك استراتيجي لفرنسا في المنطقة بل أيضاً لاعب رئيسي في العولمة بفضل قوّتها الاقتصادية والمكانة التي تحتلّها في سوق الطاقة.
خادمة لحرمي الإسلام الشريفين والأرض التي وُلد عليها نبيّها وإحدى أجمل حضارات العالم، تمارس أيضاً المملكة العربية السعودية، في محيطها القريب بل وأبعد من ذلك، نفوذاً متسّماً بالتفّهم والاعتدال والأخوّة. إنّها ترتكز في ذلك على الدين. لقد سبق وأعربت هنا عن الاحترام الكبير الذي أكنّه لجميع التقاليد الفكرية ومن بينها، بشكل خاص، الديانات، جميع الديانات تلك على الأقلّ التي لا تزدري الإنسان.
لهؤلاء الذين يضعون التقليد الديني في قلب المصير البشري، فإنّ مهمّة هذا التقليد الديني تحرير الإنسان. عندما ينقل رسالة سلام كونية، يشكّل معقلاً ضد جنون البشرية وهمجيتها. ففي هذا الصدد، تسنّى لي في لاتران، في روما كما في الرياض، أن أشدّد على أنّه "ليس الشعور الديني الذي يشكل خطراً بل استغلاله لأهداف سياسية تراجعية في خدمة همجية جديدة". في عالم، تضمحلّ فيه بعض المعالم الأخلاقية وفي الوقت نفسه يبتعد بعض الشيء بالنسبة لقوّة المال العظمى وللإيديولوجيات التي أدّت، في القرن الماضي، إلى بعض أسوأ مراحل البشرية، فإن الدروس التي تعلّمنا إيّاها الروحية الدينية من شأنها أن تسمح لنا أن نجد مجدّدا معنى وأن نبني مجتمعاً جديداً قائماً على القيم المشتركة ألا وهي قيم التسامح والمشاطرة والاحترام المتبادل.
في هذا الصدد، أريد أن أحيي مجدّداً مقام خادم الحرمين الشريفين الذي اتخّذ، خلال الأشهر الماضية، مبادرة حميدة من أجل إثارة الحوار بين الأديان، في مناسبات عديدة. أتاحت العملية التي أُطلقت في مكّة في شهر يونيو/حزيران الماضي فتح حوار سليم ومفيد بين مختلف الديانات. أراد مقام خادم الحرمين الشريفين في مبادرته دعوة المؤمنين إلى إيجاد العناصر التي تُقرّب البشر في رسالة معتقداتهم الدينية بدلاً من العناصر التي تؤدّي إلى مواجهات بينهم وإلى النظر إلى معتقدات الآخرين نظرةً متنوّرة يقودها الاحترام المتبادل. مع أنّ الإيمان يقوم على الهوية وعلى خيار فردي، فما زلت مقتنعاً بأنّ التجمّعات الدينية تستطيع أن تلعب دوراً رئيسياً، بل جوهرياً، من أجل الحوار والأخوّة والتضامن والسلام. ينبغي أن يقود هذا الحوار مبدأ جوهري وهو احترام قيم حقوق الإنسان الكونية وروحية الاستماع إلى الآراء المخالفة.
من بين الأهداف التي يتعيّن أن نلتقي عليها، هناك التحدّيات الكونية ومن بينها الأزمة المالية. لقد كشفت هذه الأزمة عجز الحَوْكَمَة الاقتصادية الدولية وأجبرتنا على العودة إلى القيم وإلى أسس اقتصاد السوق. أظهرت أيضاً أننا بحاجة إلى بناء نظام اقتصادي أكثر إنسانية وأكثر أخلاقية وأكثر احتراماً لكرامة الإنسان وعمله. أدرك أن المملكة العربية السعودية تشاطر مع فرنسا هذا التحليل. ولهذا السبب نفسه، يتعيّن علينا أن ننسّق من أجل تلبية هذا التحدّي العظيم الذي يشكّله إعادة تنظيم النظام الاقتصادي العالمي. كونها عضو في مجموعة العشرين، إن المملكة العربية السعودية، التي أثبتت حكمتها ورويّتها في إدارة هذا الأزمة، تلعب دوراً هاماً من أجل مواجهة هذا الرهان العالمي.
علاوةً على القضايا المالية، أتمنّى مواصلة تنسيقنا وتبادلاتنا حول المواضيع ذات الاهتمام المشترك. سيقوم السيد برنار كوشنير، وزير الشؤون الخارجية والأوروبية، بزيارة إلى الرياض في المستقبل القريب. تندرج هذه الزيارة في استمرارية الجولة الإقليمية التي قمت بها في شهر فبراير/شباط إلى العراق وعمان والبحرين والكويت وستتيح مناقشة، سويّة، المواضيع الإقليمية الهامة وهي الملّف النووي الإيراني ولبنان والوضع في غزّة وأفغانستان.
حول كلّ هذا المواضيع، تبقى فرنسا ملتزمة وعازمة على العمل من أجل إحياء أمل سلام شامل في المنطقة. تعمل فرنسا والمملكة العربية السعودية من أجل قضية مشتركة وهي الإتاحة لرجال ونساء المنطقة العيش بسلام وبناء مستقبل لأولادهم.
أريد هنا أن أعرب مجدّداً عن إعجابي لالتزام خادم الحرمين الشريفين والديبلوماسية السعودية في حلّ النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني وجهودهم المستمرّة من أجل مصالحة المواقف العربية. تشكّل خطّة السلام العربية التي قدّمها خادم الحرمين الشريفين ركيزة أي سلام قادم. يتعيّن أن يبقى هذا المنظور حيّاً وأدعم كلّ الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية كي يبقى حيّاً.
إن الاتّصالات التي عُقدت مؤخرّاً بين المملكة العربية السعودية وسوريا هي برهان آخر عن التزام المملكة العربية السعودية الحازم في البحث عن السلام. علينا أن نبذل قصارى جهدنا كي نصل إلى هذا الهدف. ما من شيء لا يُعوّض وعلينا أن نناضل من أجل إحياء هذا الأمل.
أتمّنى، مهما كان الأمر، أن أعرب عن تميّز العلاقات الثنائية التي تتغذّى بالمبادرات الثنائية الشبيهة لمبادرتكم والتي تساهم بمعرفة متبادلة أفضل لعالمينا والتي يتعيّن أن يزداد ثراءها بشكل متبادل عبر تقاربهما. أهنئكّم وأتمّنى لكم تبادلات مثمرة.
نيكولا ساركوزي