حاضنة المبدعين
عندما كنا في المرحلة الثانوية كنا نتمتع بأذهان متوقدة تبحث عن كل جديد وتمخر عباب العلم والمعرفة بكل أبوابها المتوفرة حينذاك ، نحب الغوص لاكتشاف المجهول فنخرج بتحليل غير عادي لكل ماحولنا لكننا ننساه في اليوم التالي، كنا نحمل أنفساً تواقة للبحث والاكتشاف ، منا من يصنع الألعاب من مواد بيئية ومنا من يجرب التوصيلات الكهربائية التي جمعها من أجهزة تعطلت أو تسببنا بقصد أو بغير قصد صيانتها فتعطلت بذاتها، ومنا من حاول تفكيك جهاز وربما لم يستطع اعادته للعمل مرة أخرى ، ومنا من كان يصمم أو يرسم أو يكتب الشعر ويشعر بإبداع يتفتق من جوانحه دون أن يعلم به أحد، كل ذلك كان يحدث دون توجيه أو رعاية وبدون مقومات علمية أو بحثية أو قدوات ممكن أن نراها من حولنا فتخبو جذوة الابداع فينا لأنها لم تستطع الظهور للواقع . الآن تتوفر المعلومات الدقيقة تحت أطراف الأصابع ، والقطع الالكترونية والمعدات متوفرة في كل مكان مما يجعل لعاب العقل يسيل ان كان له لعاب ، فنأسف على أيامنا التي لا نجد فيها مثل تلك التسهيلات ، وعندما نرى ماتبثه وسائل الإعلام من أبحاث ومكتشفات نتذكر أيام مضت لا ندري ماذا يحدث في المدرسة المجاورة ، وبعد أن بدأت بعض مؤسساتنا في رعاية الموهوبين نتمنى لو توفر لنا بعض الموجود عندما كنا نستطيع أن نتخيل ونجد الوقت للتفكير فتتولد الأفكار الجديدة مع كل صباح .
فترة المرحلة الثانوية والسنوات الجامعية الأولى هي أفضل المراحل لتنمية الاكتشاف وهي قمة مرحلة الخيال والعطاء، لهذا فهي المرحلة التي تحتاج لرعاية أكثر وبأساليب مناسبة تكفل اكتشاف الموهوب -الذي ربما لم يكتشف موهبته أصلاً – ثم رعايته وتوجييه وبعدها سينطلق بنفسه بعد أن يمهد له الطريق فيعرف وسائل الاكتشاف ومراحل تطوير الفكرة وتسجيلها ، وراقبوا ابناءكم وطلابكم في تلك المرحلة وستجدونهم مبدعون حقيقيون أفضل منا بكثير وأقدر منا على التعبير والابتكار .
تشرفنا في السنة التحضيرية بتقديم خمسة طلاب مبتكرين وقدمت بقية كليات الجامعة طالباً واحداً ، وهناك مجموعة أخرى يعملون على تطوير أفكارهم وتحويلها الى مبتكرات تحت اشراف دقيق من مشرفي الموهوبين في السنة التحضيرية .
تقديم هذا العدد من الشباب الموهوبين للوطن قبل نهاية السنة الأولى من عمر السنة التحضيرية يؤكد سلامة أهدافها التي ترمي للاستثمار في الشباب وتطوير مهاراتهم وقدراتهم الشخصية والعلمية .
مواهب طلابنا لا تتوقف عند ابتكار جهاز أو رسم توصيلات أو دوائر كهربائية ، فبالأمس اجتاز عدد من طلابنا اختبار اللغة الانجليزية العالمي بكل تفوق، وغداً نقدم نماذج من نجاحات أبنائنا في مجالات أخرى ، نجاحات بنكهة وطعم السنة التحضيرية صنعتها عقول طلابها المبدعين الذين ترف قلوبهم بالحب والولاء لبرنامجهم وجامعتهم ووطنهم المعطاء .
الخميس الماضي بدأنا بحمد الله برنامج تأهيل العلماء الشباب ورواد المعرفة وهدفنا الأسمى تقديم علماء يحوزون على جوائز عالمية في تخصصاتهم بعد سنوات بمشيئة الله ولا نرضى بأقل من ذلك .
أبنائي وأحبائي طلاب السنة التحضيرية ، امضوا في دروب العلم والتميز المهاري والأخلاقي ونحن أمامكم ومن خلفكم نردم الحفر ونزيل العراقيل ونحفزكم للمواصلة وهو أقصى مانستطيع فعله ، وعليكم التفكير العميق والابداع والانتاج الحقيقي بعيداً عن الأوهام والأحلام وضياع الأوقات ، وستكون محطتنا القادمة منصات التتويج بنجاح أفكاركم وتطبيقها لتنطلق من وطنكم المعطاء ليستفيد كل العالم منها ، وهو التكريم الحقيقي الذي يسعى له كل مبدع مخلص ، وما توفيقنا الا بالله وعليه توكلنا .