المعلم الجامعي وإشكالية الذات والاندماج !
يشعر المرء – أحياناً – في لحظات الاستجلاء الذاتي، بأن ما يحيك في صدره لا يجب أن يطلع عليه غيره!، ربما لأنه يجد فيه شيئاً غير مألوف، أو أنه لا يتفق والمتعارف عليه بين عموم الناس، أو ربما لأنه لا يجد قبولاً عند فئة يسود الاعتقاد بأنها تمتلك من قوة الحجة والإقناع ما يجعلها حاكمة في هذا الأمر، أو في بعد آخر قادرة على توجيه الرأي في الاتجاه الذي تؤمن به، أو تعتقد بصحته،..!، أو أن الأمر يتعلق بالسلطة التي تمكن هذه الفئة من توجيه الآخرين بالقوة المستمدة من المكانة، أو حتى النفوذ الشخصي !
وفى هذا السياق وبما أن كل من يمثلون جماعات داخل المجتمع بكل اتجاهاتها وتصنيفاتها المختلفة والمتعددة، يتكاملون في المعطى النهائي لاستهداف التجويد في هذا المجتمع، وتحريك الإبداع فيه، بما يتفقون عليه من أهداف تصف أيديولوجية هذا المجتمع ومساراته المختلفة، وبما يضعون من خطط وبرامج من شأنها تحقيق المستهدف، تصبح قضية الخروج على هذا النسق الجماعي العام أمراً يصيب المنظومة كلها بالتوتر، وعدم القدرة على الاستمرارية الموجهة بما تم تقريره !
ومجتمع الجامعة له من الخصائص والمقومات الذاتية والمكتسبة ما يجعل منه مصدراً للتشريع الذي يستهدف التجويد الجامعي العام في سياقاته المختلفة، وعلى مستويات متباينة ومتعددة، لا لأنه يقوم بوظيفة تعليمية تربوية فحسب، بل لأنه يسعى في إطار توظيف العلم بمعطياته، لتحقيق ارتقاء وتميز في البعدين الكمي والكيفي في المخرجات الجامعية، تتمتع برصيد هائل من القدرة على المبادأة، والتفاعل برد الفعل المنضبط الذي يصف استهداف الصالح العام للتغيير والتطوير، وتحقيق المتوقع، بالصقل، وإعادة الصياغة، والتجديد، وتقديم الجديد، والارتقاء، وضبط الارتقاء، والاستمرار في الارتقاء، والإبداع الذي يغلف كل أوجه الإنجاز في مسارات الحياة !
ويمثل عضو هيئة التدريس مقوماً ضرورياً في إنجاح منظومة العمل الجامعي ليس فقط بما تم إعداده في إطاره للتدريس والتقويم، بل لأنه ووفقاً لما يؤكد عليه الباحثون والمهنيون، يحمل هموم وإرهاصات وطموحات المجتمع الذي يعيش فيه لتحقيق رفاهية هذا المجتمع، وبلوغ أهدافه لتحسين أوضاعه في جوانب عديدة من ناحية، ولإيجاد مكانة لائقة له بين المجتمعات الأخرى التي تشكل المجتمع الكبير والمتطور في هذا الإطار من ناحية أخرى !
وتظل إشكالية إدراك الذات للمعلم الجامعي من أكثر القضايا سخونة وتأثيراً على مجريات التجويد والتغيير، فبينما يدرك البعض هذه الذات على أنها رصيد من المعرفة والتأقلم، وتتحدد مساراتها وعطاءاتها في ضوئها، يدركها البعض الآخر على أنها ذات فريدة مستقلة عن الاندماج المخطط والمشروط، لأن في ذلك انتقاصاً من قدرها، الذي يعبر عن مكنون الإبداع الذاتي والتلقائي الذي ينبغي أن يكون من أخص خصائصها !
ويرى البعض أن المجتمع الجامعي قد يفرض قيوداً على الأداء الجامعي بحجة تجويد هذا الأداء، من خلال وضع أطر معيارية لتقويم الأداء، أو رسم خطوط أساسية يجب السير عليها للأداء المتميز، وفى ذلك – وفق ما يراه البعض مع التسليم بأهميته لتحقيق الجودة – إشعار للمعلم الذي تشكلت ذاته على الحرية الأكاديمية، والنهل من المصدر المعرفي المباشر في التكوين والاتجاه، بالتقليل من القدر، والضعف وربما عدم الثقة، فلا يتفاعل المعلم لا لقصور فيه، بل لأن المجتمع الجامعي لم يقدر فيه إدراكه لذاته، مع تقديرها، وبالتالي الوصول إلى موازنة منطقية وعادلة بين إدراك الذات، والتجاوب مع المعايير والتقاليد الجامعية، أو حتى تلك التي تحكم الأداء التدريسي في الإطار العام .
ولنكن منصفين إذا أردنا جودة في تكوين المعلم الجامعي، وفى تجويد الأداء المترتب على ذلك، والتفاعل الإيجابي المتوقع في رحاب الحياة الجامعية، بأبعادها التعليمية والبحثية وخدمة المجتمع، علينا أن نبدأ من ركيزتين:
- تقدير أن للمعلم الجامعي خاصية الإبداع الذاتي الذي ينطلق معتمداً على التكوين والإعداد طويل المدى والمنضبط كيفياً، إضافة إلى أن تجويد الأداء للمعلم الجامعي يأتي بتوافقية القدرة على الأداء المتفرد، والتفاعل الايجابي مع المعايير والأطر العامة لتقويم الأداء .
ثم تأتى بعد ذلك مدخلات التأطير الجيد لصياغة جديدة لمفهوم الذات للمعلم الجامعي، وما يترتب على هذا الإدراك الإيجابي من ممكنات ومهارات يجب توافرها في كل فرد يسعى إلى هذا النوع من أنواع الوظائف والمهن، وكذلك لابد من توفير المناخ المهني الذي يسمح للمعلم الجامعي أن : يستشعر الحرية الأكاديمية والبحثية، ويتحرك باستجابات مسئولة ومتسقة مع النظريات والقوانين التي تحكم المجال الذي يعمل فيه، ويشعر بالتجاوب الفعال للإبداعات التي يقدمها والدعم المعنوي والمادي الذي يسهم في إتمامها، وأن حقوقه المهنية في إطار يسمح بالتفاعل والمساهمة دون قيود أو أعباء سواء ارتبطت بالوقت، أو بالدخل، إضافة إلى أن القدرة على التواصل الجيد والفعال مع عناصر منظومة العمل الجامعي التدريسي الإداري والفني والاجتماعي، ويشعر بأريحية التواصل الفعال للاستمرارية، بل لتأكيد الفعالية المستمرة التي تؤدى إلى الارتقاء والإبداع المستمرين .
وتلك دعوة أرجو أن تجد صداها لدى كل معلم جامعي يسعى إلى تجويد الأداء معتبراً ذاته الشخصية والمهنية أداة في سبيل هذا الهدف، أن يجعل من الغاية العامة لرفاهية الجامعة بمجتمعها المهني وتكامل عناصره، هي الأخص والأهم في أولويات التفاعل العام والخاص الذي يجب أن يكون عليه أداء المعلم الجامعي في كل جانب من جوانب العملية التعليمية والبحثية والاجتماعية….
ففي ذلك إعلاء لأهداف المجتمع الذي يمثل في مجمل الأمر الذات التي يجب الاندماج بها ولها في كل الأبعاد وعلى كل المستويات !
نشرت بصحيفة رسالة الجامعة – العدد 1055 – السبت 12 جمادي الأولى 1432 هـ ، الرأي، ص 14 .
الرابط :
http://rs.ksu.edu.sa/archive-rs/1055/index.html?pageNumber=14
التواصل: د/ محمود فوزي احمد بدوي
(المرشد الأكاديمي)
mbadawy.c@py.ksu.edu.sa
Room No. 2467 |