السنة التحضيرية ، وآفاق التميز !
إدراك الذات ....مدخل للابتداء ! (1 )
عندما يتحدث التربويون ، وعلماء النفس بشكل خاص عن منحى التميز في مردود الفعل المدار ذاتيا ، فإنهم بذلك يؤصلون لما يسمى بالتخطيط الاستراتيجي للتميز ، أو استهداف التميز بالإعداد المحكم لبلوغه .
ومن المؤشرات التي تهدى عقولنا في فهم هذه القضية ، هو أن التميز نتاج لعمل محكم ومنضبط ويأتي في إطار خطة متكاملة يعلم الفرد بكل دقة أبعادها ، والشاهد الكبير في هذا كله هو أن الفرد الذي يصل إلى التميز من خلال جهوده وإسهاماته المختلفة ، يكون بحكم إدارته الجيدة للذات ، قد وصل إلى نقطة الانطلاق المحورية في هذا الإطار ، وهى إدراك الذات !
والذات إذا شئنا التعريف ليست فقط ما يميز إنسان عن آخر ، أو ما يصف معالم الشخص بشكل طبيعي ! ، بل إن الذات في التحليل النهائي هي طاقة متدفقة تنتج عن معطيات بيولوجية ونفسية ومعرفية واجتماعية ، وتتفاعل بقوة مع هدفيه الوجود الانسانى ، وهو عمارة الكون بتكريس قيم العمل والأداء المحكم المتواصل ، أي أن ذات الإنسان هي مناط الوجود ، وآلية التفاعل في المحيط الادراكى للفرد في ضوء الفهم الكامل لأبعادها وفلسفة الوجود بشكل عام !
وإذا كان من المتوقع أن تحقق السنة التحضيرية تميزا في إعداد الطلاب نحو التميز الذي يجب أن يكونوا عليه في المنتج النهائي ، فان هذه الغاية لا تأتى بمعزل عن تلك القضية الخطيرة ، وهى إدراك الذات ، فالتحضيرية ذات مؤسسية لها فلسفة وأهداف وتعتمد على مدخلات وآليات ،والأفراد الذين تستهدفهم التحضيرية بجهودها هم ذات بشرية لها ملامح ومقومات وميكانزمات للتواصل والتفاعل .
والأمر يحتاج إلى وقفة كبيرة ومبدئية ، ويجب أن تعمد الإجراءات والفعاليات التي تمتاز بها السنة التحضيرية إلى توضيح إدراكها لذاتها المؤسسية ، وكذلك لتوصيل هذا المعنى إلى طلابها ، أي يجب أن يعلم الطلاب أن وجودهم في هذا الكيان المؤسسي الرائد إنما يستهدف إعدادهم بشكل خاص وبفلسفة مميزة لأن يكونوا قادة وروادا ومتخذي قرار على مستويات عديدة يأتي في مقدمتها الاندماج الايجابي في الحياة الجامعية ، والانطلاق بتفاعل نشط نحو التكيف مع أبعاد النظام الأكاديمي واللوائح الجامعية ، والقدرة على تحقيق انجاز علمي وتربوي للانتقال التدريجي للمستويات الجامعية الأعلى .
وكذلك فان السنة التحضيرية ، إنما تعد طلابها لتقليل الفقد الكمي للتعليم الجامعي ولتخريج أجيال تكون مؤهلة تأهيلا علميا واحترافيا لكي يفوا بمتطلبات واحتياجات سوق العمل من الكفاءات البشرية اللازمة ، ولتهيئتهم إلى ما يسمى " بالانصهار الحياتي " بمعنى إمدادهم وإكسابهم المهارات الحياتية التي تمكنهم من التواصل الفعال والتخطيط الجيد لمسارات الحياة ، واتخاذ القرارات السليمة ، والتفكير الابداعى لإحداث تطوير نوعى في تحقيق الوجود الاجتماعي ، والوصول إلى مطمح الوجود الفردي ، وهو تحقيق الذات .....
ومن ناحية أخرى ، فان طلاب السنة التحضيرية ، يجب أن يؤطر لهم من خلال مناهج وأساليب التدريب والتعليم ، بأن التميز في كل المسارات الشخصية والجامعية ، والحياتية ، والاجتماعية ، إنما يأتي من إدراك الذات بخصائصها الدينامية المستمرة ، التي يعكسا تفاعل نشط ، وتجاوب محكم في الفعاليات والأنشطة ، لأن الطالب في البداية والنهاية ، كيان انسانى له مقومات وخصائص تميزه عن غيره ، وإدراك هذا الإنسان لهذه القضايا يعكس إدراكه الكامل والايجابي لذاته ، ومن ثم يبدأ في الوصول إلى مؤشرات التميز التي يجب أن يكون الهدف الفارق لكل جهود التحضيرية ، في إعداد طلابها بتخطي حاجز النمطية ، والانجاز شبه التقليدي ...!
( وللتواصل بقية )
نشرت بصحيفة رسالة الجامعة – العدد 1045 – السبت 18 صفر 1432 هـ ، منتدى الرسالة ، ص 17 .